876

[المؤمنون: 101] فيقال له: «آت هؤلاء حقوقهم» أي أعطهم حقوقهم. فيقول: أي رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله لملائكته: أي ملائكتي انظروا في أعماله الصالحة، وأعطوهم منها! فإن بقي مثقال ذرة من حسنة، قالت الملائكة وهو أعلم بذلك منها: يا ربنا أعطينا كل ذي حق حقه، وبقي له مثقال ذرة من حسنة. فيقول للملائكة: ضعفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتى الجنة! ومصداق ذلك في كتاب الله: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما }: أي الجنة يعطيها. وإن فنيت حسناته وبقيت سيئاته، قالت الملائكة وهو أعلم بذلك: إلهنا فنيت حسناته وبقي سيئاته، وبقي طالبون كثير! فيقول الله: ضعوا عليها من أوزارهم واكتبوا له كتابا إلى النار! قال صدقة: «أو صكا إلى جهنم»، شك صدقة أيتهما قال. وحدثت عن محمد بن عبيد، عن هارون بن عنترة، عن عبد الله بن السائب، قال: سمعت زاذان يقول: قال عبد الله بن مسعود: يأخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة، فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه! فتفرح المرأة أن يذوب لها الحق على أبيها، أو على ابنها، أو على أخيها، أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود:

فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون

[المؤمنون: 101] فيغفر الله تبارك وتعالى من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئا، فينصب للناس فيقول: آتوا إلى الناس حقوقهم! فيقول: رب فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر مظلمته، فإن كان وليا لله، ففضل له مثقال ذرة ضاعفها له حتى يدخله بها الجنة! ثم قرأ علينا: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } وإن كان عبدا شقيا قال الملك: رب فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير.

فيقول: خذوا من سيئاتهم، فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار. قال أبو جعفر: فتأويل الآية على تأويل عبد الله هذا: إن الله لا يظلم عبدا وجب له مثقال ذرة قبل عبد له آخر في معاده ويوم لقائه فما فوقه فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تبعته قبله. { وإن تك حسنة يضعفها } يقول: وإن توجد له حسنة يضاعفها، بمعنى: يضاعف له ثوابها وأجرها. { ويؤت من لدنه أجرا عظيما } يقول: ويعطه من عنده أجرا عظيما. والأجر العظيم: الجنة على ما قاله عبد الله. ولكلا التأويلين وجه مفهوم، أعنى التأويل الذي قاله ابن مسعود والذي قاله قتادة. وإنما اخترنا التأويل الأول لموافقته الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها، التي حث الله فيها على النفقة في طاعته، وذم النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما }. واختلفت القراء في قراءة قوله: { وإن تك حسنة }. فقرأت ذلك عامة قراء العراق: { وإن تك حسنة } بنصب الحسنة، بمعنى: وإن تك زنة الذرة حسنة يضاعفها. وقرأ ذلك عامة قراء المدينة: «وإن تك حسنة» برفع الحسنة، بمعنى: وإن توجد حسنة على ما ذكرت عن عبد الله بن مسعود من تأويل ذلك. وأما قوله: { يضعفها } فإنه جاء بالألف، ولم يقل: «يضعفها»، لأنه أريد به في قول بعض أهل العربية: يضاعفها أضعافا كثيرة ولو أريد به في قوله يضعف ذلك ضعفين لقيل: «يضعفها» بالتشديد. ثم اختلف أهل التأويل في الذين وعدهم الله بهذه الآية ما وعدهم فيها، فقال بعضهم: هم جميع أهل الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم. واعتلوا في ذلك بما: حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: لقيت أبا هريرة فقلت له: إنه بلغني أنك تقول: إن الحسنة لتضاعف ألف ألف حسنة! قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعته يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

" إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة "

وقال آخرون: بل ذلك المهاجرون خاصة دون أهل البوادي والأعراب.

واعتلوا في ذلك بما: حدثني محمد بن هارون أبو نشيط، قال: ثنا يحيى بن أبي بكير، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن عبد الله بن عمر، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب:

من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها

[الأنعام: 160] قال: فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال: «ما هو أعظم من ذلك: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } وإذا قال الله لشيء عظيم فهو عظيم». قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بهذه الآية المهاجرين دون الأعراب. وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يدفع بعضه بعضا، فإذا كان صحيحا وعد الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له، وكان الخبران اللذان ذكرناهما عنه صلى الله عليه وسلم صحيحين، كان غير جائز إلا أن يكون أحدهما مجملا والآخر مفسرا، إذ كانت أخباره صلى الله عليه وسلم يصدق بعضها بعضا. وإذا كان ذلك كذلك صح أن خبر أبي هريرة معناه: إن الحسنة لتضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألف حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن قوله:

من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها

Неизвестная страница