Ихтирас
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
واعلم أن هذا كله من باب ارخا العنان وإلا فالمعترض قد خبط في هذا البحث خبطا عظيما ناشئا عن عدم معرفة بما قاله أهل العدل في النظر وما شروطه، بل ولا كأنه اطلع على ما قاله أصحابه الأشاعرة في هذا الباب، فمن المقرر عند العدلية أن شرط النظر تجويز الناظر كون المنظور فيه على حال وعلى خلافها، فإذا نظر في شيء من الأشياء هل هو قديم أو حادث، فلا بد عنده من تجويز حدوثه، وقدمه، أما لو قطع بأحد الطرفين لم يصح النظر فيه من هذه الحيثية أصلا ضرورة استحالة تحصيل الحاصل، وهذا مما لا خلاف فيه بين جمهور المعتزلة وغيرهم من العدلية، بل لا يتأتا فيه خلاف من الأشاعرة أيضا، وقد صرح به الرازي في المحصل وقرره الكاتبي في المفصل، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر كلامهما قريبا، وإنما خالف أبو علي إذا نظر المقلد فيما هو مقلد فيه، وإن كان جازما به فأجاز ذلك نظرا إلى أنه قد يحتاج النظر للمحاجة فيما جزم له من جهت التقليد وهو في الحقيقة ليس إلا خلافا في اللفظ والعبارة؛ لن أبا علي لا يخالف أبا هاشم فيما إذا علم المدلول بدليل أنه يمتنع النظر في غير ذلك الدليل من تلك الحيثية لما يستلزمه من تحصيل الحاصل، وأنه محال، ولهذا صرح أبو علي بأنه إذا أراد الناظر العلم بالمطلوب المعلوم لا يصح النظر أي لانتفاء التجويز المشروط في النظر، قال??وإنما يصح النظر بعد العلم على وجه آخر كإرادة المحاجة كما تقدم فكان من رد أبي هاشم عليه??أن النظر في الدليل إن كان من تلك الحيثية فلا خلاف فيه امتناعه لانتفا شرطه أي التجويز، وإن كان من حيثية أخرى فهو غير معلوم ولا خلاف في صحة النظر فيما لا يعلم من بعض الوجوه، بل قد يجب أن يكون المنظور فيه معلوما من وجه مجهولا من وجه آخر لامتناع التوجه إلى المجهول المطلق، وقد مثل بعض أصحاب أبي هاشم بمن ينظر في دليل فيعلم بالمدلول، ثم ينظر في دليل آخر فإن النظر الصحيح على المذهبين معا، أما على كلام أبي علي فظاهر، وأما على كلام أبي هاشم والجمهور فلأن النظر في الدليل الآخر ليس ??????نظرا في المدلول المعلوم بالدليل الأول، وإنما هو نظر في كون الدليل الدليل الأول هو الصحيح أم الدليل الثاني، وأما بالنظر في المدلول بعد العلم فممتنع قطعا فالإطلاق لكلام أبي علي من البعض ونسبة الخلاف إليه في منع شرطية التجويز في النظر خطأ كما عرفت هذا مذهب المعتزلة? وأما الأشاعرة فقال الرازي في المحصل ما نصه??مسألة الناظر يجب أن لا يكون عالما بالمطلوب؛ لأن النظر طلب، وطلب الحاصل محال??انتهى?
قال نجم الدين الكاتبي في شرحه??النظر قد يراد به الجوبات التخييلة وهي طلب المقدمات المنتجة للمطلوب، وقد يراد به المقدمات الحاصلة في الذهن المنتجة للمطلوب، إذا عرفت هذا فاعلم أن النظر بالمعنى الأول يضاده العلم بالمطلوب من كل الوجوه؛ لأن النظر على ذلك التفسير طلب للمطلوب، والعلم بالشيء مع طلبه ممتنع الاجتماع لامتناع تحصيل الحاصل?
Страница 549