استأجرت عربة، وأمرت أن تكون معدة للسفر عند الساعة العاشرة ليلا، وأوصيت الخدم ألا يدعوا مدام بيارسون تشعر بالأمر.
وجاء سميث وقت العشاء فجلسنا إلى المائدة وأنا أتكلف المرح وأقول لبريجيت: إنني لا أعارض في العدول عن السفر إذا كانت ترغب عنه؛ لأنني أستحسن باريس، ولا أجد بين المدن مدينة تفضلها في ملاهيها ومسراتها، وأعربت أخيرا عن ميلي إلى البقاء ما دام ليس هنالك ما يضطرنا إلى الرحيل.
وكنت أتوقع أن تعلن بريجيت إصرارها على السفر إلى جنيف، فما كذب ظني إذ أبدت رغبتها في ذلك، ولكن بلهجة لا تنم عن عزم أكيد، فانتهزت الفرصة للنزول عند إرادتها وغيرت مجرى الحديث، قاطعا خط الرجعة على ما اعتبرته أمرا مقضيا، ثم عدت أقول: وهل هناك ما يمنع مرافقة سميث لنا في رحلتنا؛ فإن بإمكانه أن يحصل على إجازة، وفضلا عن ذلك فإن مهارته في فنه - وإن أنكرها هو - تضمن له العيش حرا في أي بلد نزل فيه. إن عربتنا تتسع له، وليس من الخير لشاب في سنه أن يمضي أيامه سجينا، ووجهت الخطاب إلى بريجيت أطلب منها أن تبذل نفوذها لإقناع سميث بأن يضحي من أجلنا ستة أسابيع من وقته، على أن يعود بعد هذه السياحة إلى مكتبه.
وكانت تعلم أن هذه الدعوة لم تكن إلا نوعا من المزاح، ولكنها لم تتردد في ضم صوتها إلى صوتي، غير أن سميث تعلل بإمكان فقد وظيفته إذا هو تغيب عنها، واعتذر إلينا متأسفا.
واستحضرت زجاجة من خير الشراب، واستمررنا في الحديث حتى انتشينا، وخرجت بعد العشاء لأتأكد من أن أوامري قد نفذت، ثم عدت مسرورا إذ رأيت كل شيء على ما يرام، وأبديت رغبتي في عدم الذهاب إلى الملاهي، وطلبت أن يعزف سميث لنا على قيثارته لنمضي السهرة سوية، فأخذ يوقع الأنغام، وذهبت بريجيت تطلق صوتها بالإنشاد، وجلست أنا أضرب على البيانو، وقمنا بعد ذلك نحتسي «البونش» ونلعب بالورق وأنا معلق أنظاري على الساعة، حتى إذا وصلت إلى العاشرة سادني ارتعاش تغلبت عليه، وقرقعت العجلات أمام الباب، فقبضت على يد بريجيت وسألتها عما إذا كانت مستعدة للرحيل، فنظرت إلي مستغربة وقد حسبتني مازحا، فقلت لها: إن ما بدا لي من إصرارها أثناء العشاء دفعني إلى التعجيل، وما خرجت بعد الطعام إلا لأطلب العربة. ودخل خادم المنزل يشعرنا بأن الحوائج قد رتبت وربطت، وأن السائق في انتظارنا.
وقالت: أصحيح أنك تريد الرحيل في هذا الليل؟
فقلت: ولم لا ما دمنا متفقين على مغادرة هذه المدينة؟ - وهل نسافر الآن في هذه الساعة؟ - أجل، سنسافر. ألسنا على أهبة منذ شهر؟ وما دمنا قررنا الأمر فالتعجيل خير من التسويف. أفما رأيت كيف تم كل شيء بسهولة ؟ ومن رأيي أن يقضي الإنسان في شئونه على هذه الطريقة، فلا يدع لغده ما يستطيع أن يفعله في يومه. إذا كان يحلو لك السفر هذا المساء، فلماذا لا أنتهز الفرصة للتخلص من التسويف، وقد ثقلت هذه الحياة علي؟ إذا كنت عازمة على الرحيل فلنرحل.
وساد بيننا السكوت، فتقدمت بريجيت إلى النافذة، فإذا بالعربة أمامها تؤيد ما عزمت عليه، وما كان لها أن ترى في هذا إلا تنفيذا سريعا لما شاءت هي، فأصبحت تجاه أمر واقع لا تملك العدول عنه. وبعد أن تحققت أن كل شيء قد أعد سرحت نظرها في جوانب المسكن، وأخذت قبعتها ودثارها قائلة: هيا بنا، ولكنها وقفت مترددة، وأخذت بيدها مصباحا وذهبت تدور في غرفتي وفي غرفتها فاتحة أدراجهما، ثم سألتني عن مفتاح مكتبها قائلة: إنه كان معها منذ ساعة وقد فقد، وعادت تقول: هيا بنا؛ إنني مستعدة، وهي لا تملك نفسها من الارتعاش، وجاءت فجلست حيث كنت جالسا وأنا أحدق في سميث الواقف أمامي وقد ملك نفسه، فما نم عن اضطرابه شيء سوى قطرتين من العرق تدحرجتا على فوديه، وكانت بين أنامله قطعة عاج من قطع اللعب انحطمت وتساقطت كسرها على الأرض، ومد يديه إلينا ليصافحنا قائلا: سفر سعيد يا صاحبي.
وعدنا إلى الصمت وأنا أتوقع أن يضيف إلى توديعه كلمة واحدة، وقد قلت في نفسي: إذا كان هنالك سر؛ ففي أية مناسبة غير هذه سأوفق إلى اقتناصه؟ إن في مثل هذه الساعة تنعكس الأسرار على الشفاه، وها أنا ذا أترصد خيالها.
وقالت: في أي بلد سنقيم يا عزيزي أوكتاف؟ وأنت يا هنري ستكتب إلينا، ولن تنسى أهلي فتسعى جهدك لديهم من أجلي.
Неизвестная страница