Immanuel Kant (1724-1804م) تأليف كتابه «نقد ملكة الحكم
Critique of Judgement » (1790م) كان باخ وهيندل وجلوك قد توفوا، وكان هايدن وموتسارت في قمة نضجهم الموسيقي. وعلى الرغم من أن عالما موسيقيا جديدا كان قد ظهر، فإن «إمانويل كانت» ظل يكتب بطريقة تليق بالأقدمين، فقال: إنه على الرغم من أن الموسيقى «تتحدث بواسطة الإحساسات وحدها دون تصورات، وبذلك لا تترك أي مجال للتفكير، كما يفعل الشعر، فإنها مع ذلك تحرك الذهن على أنحاء أكثر اختلافا، وبطريقة أقوى تأثيرا، وإن يكن ذلك على نحو عارض فحسب.»
24
ففي نظرية «كانت» الجمالي، يعد الشعر أقدر الفنون على اجتذاب العقل؛ إذ الكلمات هي الوسيلة الطبيعية للتعبير عن التصورات والأفكار؛ فالشعر في رأي «كانت» هو الذي يجمع على أفضل نحو ممكن بين العقل والتعبير. ويلي الشعر في المرتبة، النحت والتصوير، أما الموسيقى فهي في أدنى مراتب مذهبه الجمالي. ومرد ذلك إلى أن الموسيقى، في رأيه ، متعة أكثر منها ثقافة ... ولها في حكم العقل قيمة أقل من أي فن آخر من الفنون الجميلة. ومن هنا فإنها، ككل متعة أخرى، تريد التغير المستمر ولا تحتمل التكرار الكثير، وإلا جلبت السأم والملل.
وللموسيقى تأثير عضوي في السامع؛ إذ إنها - كالضحك واللهو - ترضينا؛ لأنها تبعث فينا شعورا بالصحة. ولا تقتصر قدرة الموسيقى على بعث الشعور بالحيوية والصحة في النفوس، ولما كانت تؤثر في سامعها أقوى تأثير، فقد اتفق «كانت» مع أفلاطون على أن الموسيقى تستطيع التغلغل في الأعماق الباطنة للنفس، بحيث يمكننا عن طريق الموسيقى «أن نصل إلى الجسم من خلال النفس، ونستخدم النفس طبيبا يشفي علل الجسم.»
ولقد سبق أن بحث أفلاطون وأرسطو في التأثيرات العضوية التي يمكن أن تتحكم بها الموسيقى في السلوك وتكوين الشخصية، فكتب أرسطو في «السياسة» يقول: «إن الإيقاع واللحن يحاكيان الثورة والرقة، وكذلك الشجاعة والاعتدال، وكل الصفات المضادة لهذه، وغيرها من صفات الشخصية. وهذه المحاكاة لا تكاد تختلف عن المشاعر الفعلية كما نعرفها في تجاربنا؛ إذ إن نفوسنا تتغير بسماعها لهذه الألحان.»
25
وقد ظلت «نظرية المشاعر» اليونانية هذه باقية، مع بعض التعديلات، في الفلسفات الموسيقية للرومان. ورددها الفلاسفة المسيحيون في القرون التالية، كما طبق الموسيقيون الخلاقون في العصر القوطي وعصر النهضة «مذهب المشاعر» بوصفه مجموعة من الصور الموسيقية الموحدة التي توحي بانفعالات محددة في نفس السامع، وكرر ديكارت هذه النغمة في القرن السابع عشر، وكذلك فعل ليبنتس وديدرو وروسو في القرن الثامن عشر. ومن هنا فليس من المستغرب أن نجد كانت يشير إلى «نظرية المشاعر» هذه في أحكامه الخاصة على الموسيقى، فلما كان تغير اتجاه الأنغام أشبه ما يكون بلغة عالمية للأحاسيس، يفهمها كل إنسان، فإن فن الصوت يستخدم بكل ما فيه من قدرة؛ أي بوصفه لغة للمشاعر، وبذلك ينقل للجميع بلا استثناء، عن طريق قوانين التداعي، تلك الأفكار الجمالية التي ترتبط به بطبيعتها.
26
وتتضمن آراء «كانت» الجمالية في الموسيقى عنصرا آخر دأبت الفلسفات السابقة على تأكيده، هو الإقلال من شأن الموسيقى الخالية من الكلمات؛ فقد رأينا أفلاطون وأرسطو يعربان عن سخطهما على أي تحديد يفصل الكلام عن الأنغام، كما رأينا القديس أوغسطين ولوثر وكالفان يؤكدون أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به الألحان السليمة في تعريف المتدين العادي بالكتاب المقدس. وبالمثل نظر «كانت» إلى الموسيقى على أنها «فن جميل (لا مجرد فن ممتع)، والسبب الوحيد في ذلك هو أنها تستخدم أداة للشعر.»
Неизвестная страница