22
وأضاف جلوك في رسالة له يقول: «مهما كانت مواهب الموسيقي، فلن يستطيع أن يضع إلا موسيقى هزيلة إن لم يثر الشاعر فيه الحماسة التي بدونها تكون نواتج الفنون كلها ضعيفة تافهة؛ فالجميع متفقون على أن الهدف المشترك لكافة الفنون هو محاكاة الطبيعة، وهذا الهدف هو ما أسعى إلى بلوغه؛ لذلك فإن موسيقاي التي سعيت بقدر طاقتي إلى جعلها طبيعة بسيطة، لا تتجه إلا إلى التعبير عن معنى الشعر ودعمه إلى أقصى حد ممكن.»
23
وهكذا عرض جلوك أساس نظريته الجمالية، التي أرجع الفضل فيها إلى مؤلف أشعار أوبراته، «رانييري دي كالزابيجي
Ranieri de Calzaigi » (1714-1795م) بقوله إن الشعر له الأولوية، وإن وظيفة الموسيقى هي تصوير البيت الشعري وتأكيده. وقد تحدى جلوك تقاليد «الأوبرا الجادة» الإيطالية، وخلق أسلوبا جديدا للأوبرا مبنيا على المزيد من الواقعية الدرامية.
ولقد كان جلوك متشبعا بالروح الفلسفية لعصره. وأدت رغبته في العودة إلى حالة الطبيعة إلى مسارعة روسو بتأييده والترحيب به بوصفه واحدا من دعاة حركة «العود إلى الطبيعة». وكان جلوك حريصا على إصلاح الأوبرا الفرنسية بتطهيرها من تفاهات الأوبرا الإيطالية ونقائصها الفنية. غير أن أنصار الأوبرا الإيطالية قاوموا محاولته هذه التي تهدف إلى القضاء على قوالبهم التقليدية في الأوبرا، مثلما فعلوا عندما أعلنوا سخطهم على أوبرا «السيدة الخادم». وأقام أعداء الإصلاح هؤلاء «نيكولا بيتشيني
Niccola
» ووضعوه في مقابل جلوك وروسو؛ أي بيتشيني كان يمثل الأوبرا الإيطالية التقليدية، وجلوك كان يمثل روح الإصلاح التي بدأت في باريس بأوبرا برجوليزي وأوبرا «عراف القرية» لروسو.
ولقد كان مفهوم المحاكاة اليوناني واضحا كل الوضوح في التفكير الجمالي عند جلوك، الذي كان يعتقد أن الفن ينبغي أن يصور الطبيعة والظواهر الطبيعية تصويرا واقعيا، وأن في وسع الموسيقى، كأي فن آخر غيرها، أن تقوم بهذه المهمة. وفي هذا الصدد كان جلوك متفقا مع الآراء الجمالية السائدة في عصره، والقائلة إن الفنون يمكن أن يحل كل منها محل الآخر ، وأن ما يمكن أن يعبر عنه أحد الفنون يمكن أن يعبر عنه الآخر. وقد انتهى جلوك على أساس هذا المنطق، إلى أن في استطاعة الموسيقى أن تصور الواقع تصويرا دقيقا عن طريق تجميل الكلمة المنطوقة حتى تعبر عن معناها بدقة. وإذا كان روسو، في اهتمامه بالجانب النظري أكثر من الجانب العملي في الموسيقى، قد أوضح الصعوبات الجمالية التي يتضمنها تحويل اللغة إلى أغنية، والموسيقى إلى كلام، فإن جلوك الذي كان موسيقيا أكثر منه باحثا نظريا، قد بنى حركته الإصلاحية على إخضاع الموسيقى للنص. وكانت تلك طريقته الخاصة في تقويم عيوب الأوبرا الإيطالية التي تركت للمغنين الخصيان حرية استخدام الكلمات على هواهم، أو تغيير المقاطع من أجل زيادة التأثير النغمي. وكان جلوك يعتقد أن الأداء الأمين للنص هو الذي يضمن للموسيقى أن تكون طبيعية. على أنه عدل في عام 1777م موقفه الجمالي القائل إن الشعر له الأولوية، وإن وظيفة الموسيقى هي تصوير البيت الشعري وتأكيد معناه، فذهب إلى أن الموسيقى والشعر ينبغي أن يكونا في مركز متساو، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.
وفي الوقت الذي أتم فيه إمانويل كانت
Неизвестная страница