فإن قال: أليس قد علم الله تعالى من يكون مؤمنا ومن يكون كافرا قبل أن يعملوا؟ قيل له: بلى، فإن قال: فقد كانوا كفارا قبل أن يعملوا؟ قيل له: هذا محال، وليس كل من علم الله تعالى أنه يعمل شيئا يكون فاعلا له قبل فعله، وهذا ما لا تجهله العقول، ومن اعتقد هذا فقد أثم وجار عن الحق؛ لأن علم الله تعالى في العبد أنه يعمل غير علم العبد أنه قد عمل؛ لأن علمه أنه قد عمل إنما هو كان بعد أن لم يكن، وعلم الله تعالى لم يزل عالما بما يكون قبل كونه، وفي حال كونه وبعد كونه، فهو العالم بالأشياء لا يخفى عليه شيء منها.
فصل [في محاججة الجهمية]:
سل الجهمية عن الله تبارك وتعالى: أكان قبل علمه أم لم يزل معه علمه، فإن قالوا: لم يزل معه علمه، والعلم هو الله؛ لأن ما لم يزل /109/ ينبغي أن يكون هو الله. فإن قالوا: علمه مخلوق، فقل لهم: قد كان ولا علم له، فإن قالوا: نعم، فقل: قد كان ولم يعلم شيئا. ثم قل لهم: هل كان يعلم أنه ليس معه شيء قبل أن يخلق شيئا ويعلم أنه {ليس كمثله شيء}؟ فإن قالوا: نعم، فقل لهم: قد وصفتم أن له علما.
وسلهم عن الإرادة والعلم المخلوقين أيهما قبل صاحبه؟ فإن قالوا: العلم كان قبل الإرادة، فسلهم: [هل] خلق العلم وهو لا يريد أن يخلقه؟ وكيف يخلق شيئا وهو (¬1) لا يريد خلقه؟. ثم قل لهم: إن زعمتم أن الإرادة قبل العلم فقد زعمتم أن هنالك شيئا مخلوقا لم يعلمه، وأن الإرادة مخلوقة، فقد كانت وهو لا يعلمها في قولكم.
[احتجاج] آخر:
وسلهم عن حاله تعالى قبل أن يخلق شيئا، هل كان يعلم شيئا أو يريد شيئا؟ فإن قالوا: نعم، وأعطوك ذلك فقد دخلوا في قولك، وإن زعموا أنه لم يكن يعلم شيئا فمن سمى يومئذ عالما أو سميعا أو بصيرا أو ربا أو خالقا فهو مشرك.
فصل [في محاججة القدرية]
Страница 255