فإن قال: فالعلم ساق العباد إلى ما عملوا من المعاصي، قيل له: إنا لا نقول كذلك، لكن سولت لهم أنفسهم، وزين لهم الشيطان، حتى كان منهم ما علم الله عز وجل. فإن قال: فيقدر من علم الله تعالى منه المعصية أن يفعل خلاف ما علم الله؟ قيل له: لا، فإن قال: فإذا هو مجبور، قيل له: ليس مجبورا (¬1) ، وإنما قلنا: إنه لا يقدر على فعل ما علم الله أنه لا يفعله لتشاغله بفعل ما أمر به أو نهي عنه، فأما إن ترك ما اختار فهو قادر على فعل ما اختار في الحال التي يختار فيها الفعل الثاني ، فهو يشغله بفعل لا يقدر على فعل آخر، ولكنه قادر على ترك ذلك في حال تركه من غير مانع له من تركه، ولا جابر يجبره، ولا حائل بينه وبينه من قبل الله تعالى، وإنما أوتي من قبل نفسه.
فإن قال: فما الدليل على أنه إذا لم يفعل ما أمر به كان فاعلا خلافه؟ قيل له: إن العبد لا يخلو من أحد أمرين: إما حركة أو سكون، فهو إن كان متحركا أو ساكنا فهو فاعل لأحد الأمرين، وبأيهما كان مأمورا ففعل خلافه فقد فعل خلاف ما كلف، ومن لم يعمل بما أمر به فليس بقادر عليه؛ لأنه لا يقدر في وقت واحد على فعل شيء وتركه، وذلك محال، والقدرة على المحال محال.
Страница 254