(1) نظام ولاية العهد وابن خلدون
قال ابن خلدون في مقدمته: «إن معاوية عهد إلى يزيد خوفا من افتراق الكلمة بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى سواهم، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه.» ثم زاد هذا توضيحا في مكان آخر من مقدمته فقال: «إن الذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم، باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش، وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصا على الاتفاق واجتماع الأهواء.»
لسنا هنا في موقف الراغب في تحليل أقوال مؤرخنا الكبير، وهل أصاب محجة الصواب في تعليله ما دفع معاوية إلى عقد البيعة ليزيد، ولكنا صدرنا هذا الباب بكلمة ابن خلدون لنصور سر قبول العرب، لأول عهدهم، نظام ولاية العهد عامة، والوراثي خاصة، وما قبولهم إياه إلا لأن شوكة يزيد يومئذ مستمدة من عصابة بني أمية كلها، وجمهور أهل الحل والعقد من قريش، وبذلك تستتبع عصبية مضر أجمع، وعصبيتهم أعظم من كل شوكة؛ إذ لا تطاق مقاومتهم، ومن هنا أقصى العرب عن يزيد، وأقاموا على الدعاء بهدايته والراحة منه. ولعل هذا يكشف عن سبب فشل الحسين بن علي وابن الزبير في مطالبتهما بالخلافة كما بين ذلك ابن خلدون مما لا حاجة بنا للتعرض له الآن.
على أن التاريخ يقنعنا أن نظام ولاية العهد لم تقبله العقلية العربية بسهولة، مع اعتقادنا صحة ما ذهب إليه ابن خلدون من سبب انتصرت به فكرة ولاية العهد، وهو اعتمادها على العصبية، وربما جاز لنا أن نعزو سقوطها من بعض النواحي إلى هذه العصبية أيضا مما لا نعرض له هنا الآن.
أجل، يخبرنا التاريخ بتلك الأدوار العدة التي مرت بها مسألة البيعة ليزيد، وأن السياسة نهضت بنصيب غير قليل في سبيل تذليل الصعوبات التي قامت بادئ ذي بدء دون أن تجعل البيعة ليزيد سهلة ميسورة تؤتي ثمرها بغير عناء كبير.
يخبرنا التاريخ بما فعله المغيرة بن شعبة وغير المغيرة بن شعبة، وإيفادهم الوفود إلى معاوية، ويخبرنا بمبلغ ما أنفق معاوية من المال وما أبداه من احتمال وحزم، وما بذله ابنه يزيد من شدة وعسف، وكل هذه العوامل تستدعي دراسة دقيقة لا نعرض لها لأنها لا تعنينا في هذه المقدمة كثيرا.
نريد أن نقول شيئا واحدا ميسورا فهمه؛ ذلك أن نظام ولاية العهد - الذي ربما كان ضروريا لا مندوحة عنه في أول عهد الدولة لما بينه لنا ابن خلدون - كان في نفسه سببا يعتد به من أسباب سقوط الدولة الأموية، أو على أقل تقدير كان لنظام ولاية العهد أخيرا أثره الكبير في ضعف سلطان بني أمية وذهاب ريحهم. (2) خطر نظام ولاية العهد وأثر البطانات
لننظر نظرة عجلى في تاريخ هذا النظام لنقنع بما وصلت إليه بحوثنا، فنرى مثلا أن مروان بن الحكم جعل ولاية العهد من بعده لابنه عبد الملك بن مروان، ثم من بعده لابنه عبد العزيز بن مروان، ومهما يكن الباعث لمروان على أن يجعل ولاية العهد لولدين من أولاده، فإن جل خلفاء بني أمية من بعده اتخذوا صنيعه سنة متبعة. سنرى في كلامنا عن العصر العباسي إلى أي مدى كان خطر هذا النظام على حياة الدولة، أو على الأقل مبلغ ما فيه من ضعف لها، وإيذان باضمحلالها، واضطراب لحبلها.
لم يكن هذا النظام شرا مستطيرا وعاملا كبيرا من عوامل الضعف؛ إلا لما يستلزمه من نكث العهد، ثم من انشقاق البيت المالك على نفسه، وترك المجال واسعا لوشايات تسعى بها بطانات السوء ممن نرجو أن نصور مثلهم ومثل صنيعهم السيئ ومثل خطرهم على الدولة، حين نعرض للكلام عن عصر المأمون وما شجر بين الأخوين من خلاف، أو ما أذكته البطانة بينهما من خلاف - هذه البطانة ترقب دائما انشقاق البيت المالك، أو ما هو مركب في الطبيعة البشرية وولاة العهد من ترقب لتسلم مقاليد الأمور، وتعجل للذة الحكم والسلطان، فتستغله لتقضي مآربها، وتستمتع بأطماعها، وسرعان ما تجد الفرصة سانحة لها، ومواتية لأطماعها إذا صار الأمر إلى ولي العهد الأول الذي حاول ما هو طبعي من خلع من أشرك معه في ولاية العهد؛ إما كراهية له، أو إيثارا لغيره عليه ممن هم أمس منه رحما، وأقرب مودة.
نعم، قد يجد ولي العهد كثيرين من الناصحين الذين يستنكرون الخلع، بيد أنه لا يعدم أيضا كثيرين ممن هواهم مع غير هذا الذي يراد خلعه يزينون له ما يحاول، حتى إذا صار الأمر إلى من أريد خلعه كافأ كلا من الفريقين بما يستحق - وكان أحيانا يفتك بكثير من ذوي البلاء الحسن في تشييد الملك؛ وهذا الفتك على ما فيه من خسارة قوم من ذوي الرأي والتجارب قد كان يبذر في قلوب أنصارهم وعشائرهم بذور الحقد وحب الانتقام - وبذلك صار بنو أمية يفقدون العشائر عشيرة بعد عشيرة، وأخذ ظل سلطانهم على النفوس ينحسر شيئا فشيئا، حتى إذا قام لهم منافس عظيم لم يجدوا لديهم من القوة والكفايات والأنصار ما يستطيعون به التغلب عليه.
Неизвестная страница