خمس إذا ما سارها الجيش بكى
في اليوم يومين رواحا وسرى
ما سارها من قبله إنس يرى
هذا لعمري رافع هو الهدى
وسواء صحت رواية الجزور المظمأة أو كان فيها شيء من توسع الخيال، فالطريق الذي سلكه خالد معروف، والقدرة عليه هي موضع العبرة والتأمل في هذا المقام ... أما نحن فالذي نراه أن خالدا لم يكن لينتظر حتى تظمأ الإبل وهي لا تجهد من الظمأ إلا في أيام، وأن الإبل لا تخزن الماء في جوفها وإن لم تجتره دون أن ينصرف منها، وأن عشرين جزورا تمتلئ كروشها بالماء لا تسقي الخيل في الجيش كله وعدته عشرة آلاف، فلا بد من تدبير آخر مع هذا التدبير تجتمع فيه السرعة إلى التخفف إلى الإقدام ...
والأمر الذي لا شك فيه بعد هذا كله أن خالدا سار بجيشه - وعدته عشرة آلاف - من عين الثمر إلى قراقر، ثم من قراقر إلى سوى وبينهما تلك المفازة المهلكة، ثم إلى تدمر فالغوطة فبصرى، فقطع هذه المسافة في ثمانية عشر يوما؛ لأنه كما قال الشاعر كان يطوي مسافة اليومين في يوم واحد ... «في اليوم يومين رواحا وسرى ...»
خرج من الحيرة في أوائل صفر من سنة ثلاث عشرة للهجرة، وطوى تلك المسافة في تلك الأيام بعد أن قمع كل مقاومة لقيها من المسالح والحصون وراء المفازة الخاوية من كل ديار. •••
واتفق خروجه من الحيرة، وجيوش المسلمين في الشام تشرع في خطة جديدة للتراجع إلى جنوب وملاقاة الجيوش الرومانية الجرارة في جمع واحد ينهض لها ويحول دون الإحداق بكل جيش منها على انفراد .
وكان الخليفة قد سيرها - بعيد منتصف السنة الثانية عشر للهجرة - مع أربعة من كبار القواد في طرق مختلفة إلى وجهات متعددة.
فسير يزيد بن أبي سفيان على رأس ستة آلاف أو سبعة آلاف إلى دمشق، وسير شرحبيل بن حسنة على مثل هذا العدد إلى الأردن، وسير عمرو بن العاص على رأس جيش يزيد على ذلك قليلا إلى فلسطين، وسير أبا عبيدة بن الجراح على رأس خمسة آلاف أو ستة آلاف إلى الجابية، وأمدهم بعكرمة بن أبي جهل في جيش صغير؛ ليحمي ظهور من يحتاج منهم إلى الحماية ويسرع بالنجدة إلى من يطلب منهم المعونة ...
Неизвестная страница