وأعطى الدعوة حقها كما أعطى القتال حقه في كل معركة بما تقتضيه وتوحيه إليه ...
فكان إذا لقي العرب سألهم مذكيا فيهم نخوة العروبة: «ويحكم! أأنتم عرب؟ فما تنقمون من العرب؟ أو عجم، فما تنقمون من الإنصاف والعدل؟»
وكان يعين الحمية الدينية في جيوشه بما يغري النفوس من نعيم الدنيا ومتاع الحياة، فأباح الأسلاب من سلبها بالغا ما بلغ قدرها، وربما قسم للمقاتل الواحد في بعض الوقائع ألف دينار، فلا يستكثرها عليه ولا ينتزع منه غنيمة وقعت في يديه. وقال لهم يوما بعد وقعة المذار: «ألا ترون إلى الطعام كرفع التراب؟ والله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه.»
وأحكم الصلح كما أحكم الحرب، فكان عهده مع أهل الحيرة نموذجا للعهود من قبيلة، وكان يصالح المستسلمين صلح من يعني كل حرف يخطه بيمينه، فلا يزيد ولا ينقص ... قال في عهد أهل الحيرة «هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد ... نقباء أهل الحيرة ورضي بذلك أهل الحيرة وأمروهم به، عاهدهم على مائة وتسعين ألف درهم تقبل في كل سنة جزاء على أيديهم في الدنيا، رهبانهم وقسسهم إلا من كان منهم على غير ذي يد حبيسا عن الدنيا تاركا لها ... وعلى المنعة، وإن لم يمنعهم فلا شيء عليهم حتى يمنعهم، وإن غدروا بفعل أو قول فالذمة منهم بريئة ... وكانت كتابة هذا العهد في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة هجرية»، وعلى قدر سطوته الجائحة بمحاربيه ومعانديه كانت رعايته ورفقه بأولئك المظاليم الخالدين من زراع تلك البلاد ... فللمرة الأولى في التاريخ من قبل بابل ونينوى، رأى فلاحو السواد حاكما يحفظ لهم غلاتهم وينصفهم من دهاقينهم - أو مستغليهم - ويستمع شكاية ضعيفهم من قويهم ويشرع بينهم شرعة المساواة والأمان، وبلغ من رفق الحكم الجديد برعاياه - مسلمين وغير مسلمين - أنه تكفل بالعبد إذا تحرر، وبالغني إذا افتقر، وبالعائل إذا انقطع عائلوه، وهذا مثل مما تكفل به الحكم الجديد في كتاب خالد ... قال: «إني دعوتهم إلى الله وإلى رسوله فأبوا أن يجيبوا، فعرضت عليهم الجزية أو الحرب، فقالوا لا حاجة لنا بحربك، ولكن صالحنا على ما صالحت عليه غيرنا من أهل الكتاب في إعطاء الجزية وإني نظرت في عدتهم، فوجدت عدتهم سبعة آلاف رجل، ثم ميزتهم فوجدت من كانت به زمانة ألف رجل، فأخرجتهم من العدة، فصار من وقعت عليه الجزية ستة آلاف فصالحوني على ستين ألفا وشرطت عليهم أن عليهم عهد الله وميثاقه الذي أخذ على أهل التوراة والإنجيل: ألا يخالفوا ولا يعينوا كافرا على مسلم من العرب ولا من العجم، ولا يدلوهم على عورات المسلمين، عليهم بذلك عهد الله وميثاقه، أشد ما أخذه على نبي من عهد أو ميثاق أو ذمة، وإن خالفوا فلا ذمة لهم ولا أمان، وإن هم حفظوا ذلك ورعوه وأدوه إلى المسلمين فلهم ما للمعاهد وعلينا المنع لهم، فإن فتح الله علينا فهم على ذمتهم، لهم بذلك عهد الله وميثاقه أشد ما أخذ على نبي من عهد أو ميثاق، وعليهم مثل ذلك ألا يخالفوا، وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام فليس على المسلمين النفقة على عيالهم. وأيما عبد من عبيدهم أسلم أقيم في أسواق المسلمين فبيع بأغلى ما يقدر عليهم في غير وكس ولا تعجيل ودفع ثمنه إلى صاحبه، ولهم كل ما لبسوا من الزي إلا زي الحرب، من غير أن يتشبهوا بالمسلمين في لباسهم، وأيما رجل منهم وجد عليه شيء من زي الحرب سئل عن لبسه ذلك، فإن جاء منه بمخرج وإلا عوقب بقدر ما عليه من زي الحرب، وشرطت عليهم جباية ما صالحتهم عليه حتى يؤدوه إلى بيت مال المسلمين، عما لهم منهم، فإن طلبوا عونا من المسلمين أعينوا به، ومؤونة القواد من بيت مال المسلمين.»
وقد عزلت هذه الرعاية من جانب وتلك السطوة من جانب آخر عزلا فاصلا بين الرعاة والرعية في السواد وفي الديار الفارسية، فنظرت الدهماء إلى الحرب كأنها حرب على الرعاة وحدهم لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فلا هي تعنيهم ولا هم يخشون من عواقبها العاجلة أو الآجلة، بل هم بهذه العواقب ينعمون وإليها يتشوقون. •••
وكانت وقعة الفراض آخر أعمال خالد الكبار في العراق وأوفاها دلالة على عجز الدولتين معا، دولة الفرس ودولة الرومان الشرقية، عدا ما فيها من الحوادث التي هي أصلح ما تكون للتفرقة بين مغبة العمل الواحد تأتيه الأمة في عهد إقبالها وتأتيه الأمة في عهد إدبارها، فهو ضربة موت من ناحية وهو من الناحية الأخرى كالضربة التي تشحذ عزيمة المضروب وترد التوازن إليه.
الفراض في أعلى العراق بين مسالح الفرس والروم يوشك هؤلاء وهؤلاء فيها أن يتناظروا متقابلين، وقد هبط عليها خالد في وثبة من وثباته، فتألب عليه هنالك عرب البادية وجيش الروم، وكان وشيكا أن يتألب معهم جيش من الفرس لولا ما شغلوا به من أمر العرش ووراثته والمتنازعين عليه، وقال الروم لخالد كما قال الفرس بعد ذلك لأبي عبيد: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم، فلم يصنع خالد صنيع أبي عبيد بل قال لهم: اعبروا أنتم إن شئتم، وتركهم حتى يعبروا ليحصرهم بينه وبين النهر فلا يهرب منهم هارب، وأرسل الفرسان والرامحين ليعزلوهم قطيعا قطيعا ويضيقوا عليهم مسالكهم، ثم يحصدوهم حصدا وهم أشبه بالمحكوم عليهم في ساعة التنفيذ منهم بالمقاتلين ...
على أنه لم يثب على الفراض وثبته تلك حتى كان قد «طهر» جوف الصحراء من جموع الأعراب التي تكونت إلى دومة الجندل وعوقت عندها زميله «عياضا» قرابة عام، فلما ترامت أنباء فتوحه إلى عياض كتب إليه يستشيره ويستنجده، فكان هو على عادته أول جواب بعد رجع الخطاب، وكتب إليه يقول:
لبث قليلا تأتك الحلائب
يحملن آسادا عليها القاشب
Неизвестная страница