ولا ريب أن هناك اختلافا في أمر وجودنا قبل هذا الوجود، وأحسب أن هذه الفكرة قد صدرت عن حسن نية، لتبرئة حكمة الله من تعاسة الخلق في هذه الدنيا بغير جريرة لحقت بهم في دنيا قبلها، وربما كان هذا من الفضول بغير داع لتأييد قصة السفينة ، وإذا كان الإله قد شاء أن يلقي عليها سترا، فقد يكون الاجتراء على كشف ذلك الستر من قبيل التطفل واللجاجة، ولعل نجاحنا في هذه المحاولة لا يربى على نجاح أبوينا في محاولة المعرفة الممنوعة يوم أكلا من الشجرة.
ولست أعني بقولي: إن بني آدم بعضهم شياطين لبعض، إلا أنهم - لارتقائهم على غيرهم من الخلق - لا يعذبهم الخلق الآخرون كما يعذبون أنفسهم. ومن جانبي أنا أراني أتقبل الدنيا على علاتها، وأرى أن أشك في حكمتي كلما فكرت في وجوه صلاحها وإصلاحها، وإني لأبصر من الحكمة فيما أدرك من خلق الدنيا ونظام تدبيرها ما يلهمني أن هناك حكمة تعادلها فيما لست أدركه وأتقصاه. ومن ثم لا تكون الثقة التي عندي بالله دون الثقة التي عند سائر المسيحيين الأبرار.
ويسعدني أن التفاهم الحسن مستمر بينكم وبين آل فيلادلفيا، وقد كان أبونا حكيما جد حكيم، وكان من عادته أن يقول: إنه لا شيء أكثر من ظهور أسباب النفور بين المتحابين على البعد إذا اقتربت بهم الديار ... ولهذا لم يكن ليستحسن زيارات الآل في الأماكن البعيدة، لأنها تطول ولا يمكن أن تقصر إلى الحد الذي يتركهم على المودة والوئام حين يفترقون. وقد لمست برهانا على ذلك - العلاقة بين أبي وأخيه بنيامين، فقد كنت يومئذ طفلا، ولكني كنت أحس الفرق بين عبارات المودة في رسائلهما قبل اللقاء، وبين المناقشات والمجادلات التي تنشب بينهما إذ يقيمان في مسكن واحد. غير أنك أنت أدنى إلى الصواب فيما تختارينه من التوفيق آنة بعد أخرى؛ لإسداء النصيحة من بعيد في شئون الآخرين ومرافقهم، وكله خير ما دام يفضي إلى خير.
وأذكر أنك أشرت في إحدى رسائلك إلى النظارات ورغبتك في إرسال بعضها إليك، وليس لدي هذه الرسالة الآن؛ فلهذا أبعث إليك بزوج من كل مقاس من الواحد إلى الثلاثة عشر، وستعرفين المقاس الذي يوافقك بامتحان زوج بعد زوج على كلتا عينيك في النظر إلى مطبوعة دقيقة، واعزلي ما لا يوافقك لكيلا تعودي إلى تجربته مرة أخرى، وإنك لتجدين النظارة التي توافقك بالتجربة والمقارنة على مهل، وهو الأمر الذي لا يتيسر في الدكاكين حيث يعجل الناس باختيار النظارات، فترهق أبصارهم وتضرهم، وأشير عليك بتجربة كل عين على حدة؛ إذ قلما يوجد بين الناس من تتساوى لديهم العينان، ويكاد كل ناظر يعتمد على إحدى عينيه في القراءة والعمل لضعف في عينه الأخرى، أو لأنها أصلح للنظر البعيد. ولهذا تفيد النظارة المتساوية تلك العين المهملة، ولا توافق العين المعول عليها، ومتى عرفت ما يوافقك من النظارات، فاحتفظي بالأقوى منها للمستقبل حين تحتاجين إليها مع الزمن، وقدمي ما تستغنين عنه هدية للأصدقاء.
أما الخطأ الذي أومأ إليه فرنكلين في مقدمة الخطاب السابق، فقد يظهر من خطابيه التاليين، وأولهما بتاريخ الثلاثين من شهر ديسمبر سنة 1770 قال:
سنحت لي الفرصة، أثناء انتظار السفينة أكثر من وقتها المعهود - أن أكتب إليك بعدما فاتني، على ما أظن، أن أفعل حين رجوت ابن عمنا وليامز أن ينوب عني في الاعتذار إليك.
وصل إلي خطابك الكريم المؤرخ في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر على يد السادة الفتيان الذين حببوا أنفسهم إلي وإلى كثير من معارفنا بمسلكهم الحميد. وقد حقق جوشيا أمنية قلبه بالتتلمذ على مستر ستانلي الذي استجاب رجائي بعد طول انقطاعه عن التدريس، فقبل أن يعلمه بعض الدروس، وسر من سرعة فهمه وتقدمه، ويبدو لي أن جوناثان فتى ذو قيمة، رصين، منتظم، يميل إلى العمل والتدبير، وهي مخايل النجاح في الأشغال، وإني في صحبتهم لجد سعيد.
أما الإشاعة التي ذكرتها - وأخبرني جوشيا فحواها وهو أنني عزلت من وظيفة مدير البريد من أجل كتاب أرسلته إلى فيلادلفيا - فربما كان أساسها أن بعض الرؤساء قد ساءهم كتابتي أمثال تلك الكتب، ولاح عليهم أنهم يريدون أن يعبروا عن استيائهم على ذلك المنوال، ولكن أناسا من أصدقائي أشاروا برأي غير هذا الرأي على غير علم مني، فاضطر خصومي إلى القناعة بشتمي - عن سعة - في الصحف واستثارتي بذلك إلى الاستقالة. ولا أخالهم يفلحون في هذه الاستثارة؛ لأنني لا أملك تلك الفضيلة المسيحية فضيلة التسليم ،
12
فمن أراد أن يحتل مكاني فليأخذه عنوة.
Неизвестная страница