وضحكت مرة أخرى قائلة: تعيش بها في الجنة يا سيد أفندي!
تعودت فيما بيني وبين نفسي أن أسمي هؤلاء السادة المزيفين باسم المساكين، ولكن هذا لم يعصمني من محاولاتهم في إفسادي، نعم فقد حاول بعضهم أن يساومني على ضميري كما تعود أن يفسد غيري.
دعاني يوما محسن باشا أحد كبار الزعماء، وكانت ليلة الاحتفال بذكرى وطنية، ولما جلست مع الزعيم قربني وأظهر لي ما لا مزيد عليه من الإكرام والإجلال، وبدأ يتملقني على مسمع من الحلقة المحيطة به، ووكد لي مودته وتقديره لحسن أسلوبي وطلاوة عبارتي وسداد آرائي، وبدأ يعرج على ما كنت أكتبه في مقالاتي تحت عنوان: «أنا الشعب» حتى قال لي بعد تمهيد طويل: أنا واثق من حسن قصدك، ولكن الناس قد يفهمون أنك تقصدني.
وكنت حقا أقصده بكثير مما أكتب في هذه المقالات فقلت له في بساطة: لست أكذب عليك فإني أقصد كل من يصدق عليه قولي.
فقال متمالكا نفسه: تعجبني فيك الصراحة دائما، وإنه لمما يسعدني أننا متفقان في الرأي.
فقلت في شيء من السخرية: هذا يسعدني أكثر.
فقال: إننا جميعا طلاب حرية.
فقلت في دفعة: المهم هو تحديد معنى الحرية.
فقال: المعنى واضح لا يحتاج إلى تحديد، الحرية هي الحرية، هي المبدأ الذي نجاهد من أجله.
فاندفعت قائلا في حنق: لست أفهم يا سيدي هذا اللفظ إلا إذا كان يترجم في حقائق، أين تكون الحرية بغير العدالة التي تكفل للجميع حقوقهم وترعى حرماتهم وتسوي بينهم في الواجبات؟ أين تكون الحرية إذا انعدمت الأخلاق العامة وفسدت النزاهة وعمت عبادة المال؟ أين تكون الحرية إذا كان السادة يسرقون ويضاربون ويضربون أمام أعين الجماهير أسوأ الأمثلة للأخلاق؟ ما هي الحرية إذا انعدمت المقاييس الأخلاقية وانفرط عقد الناس، وصاروا فوضى لا يؤمن كل منهم إلا بنفسه ومصلحته؟
Неизвестная страница