ورفض الملك أيضا بأن يصغي للوصايا من دون قيد، وحجته في ذلك أنه لا يريد أن يحنث بيمينه الدستورية، وبعثت الحكومة «مونته زومولو» نائبا للملك في صقلية وأرسلت معه لافارينا وكوردونه، وكانت إدارة الشرطة في الجزيرة بيد صنائع كريسبي ومورديني، فتآمرت ضد نائب الملك ووضعت العراقيل في وجه الإدارة الجديدة، فاضطر إلى ترك الجزيرة.
أما صعوبة الحكم في نابولي فكانت أشد منها في صقلية، بعثت الحكومة فاريني نائبا للملك في نابولي، إلا أن هذا أيضا لم يوفق في مهمته فتآمر ضده أنصار البوربون والغاريبالديون وأنصار مورات، وكتب بعض الدموقراطيين بعد أن خاب رجاؤهم إلى كافور يرجونه أن يستدعي فاريني قبل أن تخسر المملكة نابولي، وكان الخطر المباغت يتأتى من الشقاوة التي كانت ترفع رأسها من وقت لآخر وتجد ملجأ لها في الأحراج الكبيرة والجبال الوعرة.
وقد انتشرت في المنطقة الجبلية في جوار «تاجليا كوزو» من إيالة أبروزة طول الشتاء، وكان يقويها أنصار البابا الذين يخزنون السلاح في الأديرة المجاورة ويجهزونها برجال يستقدمونهم من روما لتأليف العصابات، مما أدى إلى اشتداد حقد الوطنيين على البابا الذي يهب الأشقياء حمايته.
وكان فرنسوا في روما يدبر الدسائس بنشاط، فتآمر مع المجرمين السابقين واستخدمهم في النهب والقتل، وكان على اتصال باللجان المنبثة في جميع أنحاء الجنوب، أما الإكليروس الذي زاد غضبه بسبب الإصلاحات الإكليريكية الحديثة؛ فأخذ يعمل في شوق لإلحاق الضرر بالحكومة الإيطالية أو إسقاطها، وأخذ الجنود الهاربون ينخرطون في سلك العصابات؛ لكيلا يعودوا إلى وحداتهم.
ولم تكن قضية نابولي سوى أخطر مظهر لمعضلة تناولت جميع الدول الملحقة ببيمونته، فمع أن زعامة بيمونته قد قبلها بصدق وإخلاص أغلب القوميين؛ فإن الحركة القومية في بيمونته أصبحت تحت تأثير فكرتين مختلفتين أشد الاختلاف: الفكرة الأولى ويعتنقها الرجال القدماء المحدودو الفكر والنافذون في الإدارة والجيش، وهي تقول بأن تحكم إيطالية وتدار من قبل البيمونتيين، وهي تنفر من كل دعوة لنقل العاصمة من تورينو، وكانت ترضى فكرة وجود إيطالية الكبرى، آملة أن تسيطر قوانين بيمونته وآراؤها على جميع الإيالات الملحقة.
أما الفكرة الثانية فيعتنقها الفريق الواسع النظر من أركان الجمعية القومية، والذي يترأسه كافور، فهذا الفريق كان يدرك بأن دولة صغيرة ذات أربعة ملايين من النفوس لا تستطيع أن تتحكم وأن تستأثر في مملكة يبلغ نفوسها أكثر من عشرين مليونا، فما على بيمونته إلا أن تندمج في إيطالية على كل حال، ولم تكن قوانين بيمونته تضاهي قوانين لمبارديه وطوسكانه وبارمه ونابولي في كثير من النقاط.
فلا يمكن إدخال نظام بلدياتها من دون استثارة كثير من الحنق مع أن الأمل في نجاحها ضعيف في مناطق طوسكانه ولمبارديه التي كانت تتباهى بتقاليد حياتها البلدية القديمة المديدة العمر، فضلا عن أن مدينة تورينو واقعة في طرف إيطالية، ليس لها تذكارات تاريخية وفنية ، ولا يمكن أن تكون عاصمة دائمة لشبه الجزيرة، وكانت ميلانو وفلورنسة ونابولي وباليرمو تتمسك بشرف قاعدتها وتتذمر من فكرة التخلي عن مقامها لأية مدينة أخرى سوى روما، وأخذ بعض المستائين يندد ببيمونته زاعما بأنها احتكرت معاهد الحكومة، وقدمت الموظفين البيمونتيين في المناصب الفنية، ووجهت التجارة والصناعة نحو قاعدة الحكومة، وأهملت شئون الدول الأخرى.
وقد قربت هذه الحوادث وتلك المخاوف بين ريكاسولي وكريسبي، مع أنهما كانا يحملان نزعتين مختلفتين، وساقتهما إلى معارضة الفكرة البيمونتية، وقد أعلن بيبولي في كلمات مبالغ فيها أن الإدارة البيروقراطية في تورينو أكبر عدو لإيطالية، وكان ريكاسولي قد شن حربا شعواء على فكرة إدخال القوانين البيمونتية في طوسكانه وطالب بإدارة شبه مستقلة لدولته. وكان كافور يؤمن - كل الإيمان - باللامركزية وعين في شهر تموز لجنة لوضع مشروع حكومة محلية.
وقد شرح فاريني - بصفته وزيرا للداخلية - أمام تلك اللجنة الاقتراحات التي ربما أوحى إليه بها كافور، وتتلخص زبدة مشروع فاريني بتأسيس دوائر محلية كبرى تدعى بالمناطق، تكون واسطة بين الإيالات والدولة، وتكون في مراكز الحياة الطبيعية الإيطالية، على أن لا تنطبق حدودها بأي صورة كانت على حدود الدول القديمة؛ خشية تشجيع نزعة الحكم الذاتي، فهي - والحالة هذه - عبارة عن وحدات إدارة ليس لها مجالس منتخبة.
وكان فاريني يستهدف بمشروعه هذا أن تستند هذه الوحدات - كما في السابق - إلى مجالس الإيالات، التي تسيطر على الطرق والأنهار والصحة العامة والتعليم الثانوي والصناعي والمؤسسات الخيرية المهمة.
ناپیژندل شوی مخ