تحفة الاعیان لنور الدین السالمی
تحفة الأعيان لنور الدين السالمي
ثم إن القاضي أراد أن يرى الإمام استغناءه بالحلال الطيب عن أوساخ الناس ليطيب عنه نفسا؛ فكتب اسما في قرطاسة صغيرة، فجاءت الدبيان تحمل الدنانير كل دبية تحمل دينارا فوضعته قدام القاضي حتى صارت كدسا كبيرا والإمام ينظر فقال القاضي للإمام خذ هذا، فقال لا أريده، فقال خذ لتقوية الدولة، فقال الدولة مستغنية عنه، فقال القاضي إنه حلال؛ إنه من كنز جاهلي بشيراز، فلم يقبله الإمام لنفسه ولا لدولته؛ وأمر القاضي الدبيان فحملته، وقال للإمام أعلمك هذا السر؟ فقال الإمام سأنظر؛ فخرج من عنده ولم يعاوده؛ فعاوده القاضي ليعلمه السر فأبى وقال: أنا اليوم قد ملكت نفسي؛ وأخشى إن عرفت ذلك أن تملكني نفسي؛ فهذا هو الورع لمن عقله؛ وهو الخوف لمن عرفه.
وقيل إن رجلا نام عند قبر الإمام سلطان بن سيف؛ ولعله وضع رأسه عند قبر الإمام سلطان بن سيف ورجليه عند قبر الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله ونام على هذه الصفة، فلما أخذه النوم حس كأن أحدا أداره عن قبر الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله تعالى، فانتبه خائفا مرعوبا وقال في نفسه: لعل هذه أضغاث أحلام؛ وكاذب نفسه في ذلك: ثم نام ثانية ليستيقن ذلك لكي تزول الشبهة عن قلبه، فلما أخذه النوم حس ثانية كأن أحد أدار رجليه، وانتبه مرعوبا وفر من حينه خائفا. والله أعلم.
وإنما كتبنا من سيرة هذا الإمام ما لم نكتبه في سيرة من قبله؛ لأن بعض أصحابه قد أرخوا بعض سيرته ولم يؤرخ من مضى إلا ما وجدناه من القضايا التي يحتاج إلى البحث عنها في الأحكام، وحيث أن المتأخرين اشتاقوا إلى الإطلاع على سيرة من قبلهم فلم يدركوا منها إلا اليسير، دعاهم ذلك إلى كتابة بعض ما كان في زمانهم ليطلعوا عليه من يجيء بعدهم؛ فجزاهم الله عما أثروا خير جزاء. ولا شك أن الآخر دون الأول؛ فما كتب ها هنا يدل على وجود أضعافه فيما سبق.
مخ ۲۳