فقال أعد علي فأعدت عَلَيْهِ فقام ودخل بيته ورد الباب فسمعت نحيبه من داخل البيت وَهُوَ يَقُول:
إذا مَا قَالَ لي ربي ... أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي ... وبالعصيان تأتيني
ومن الأشعار أشعار تنشدها النواح يثيرون بِهَا الأحزان والبكاء فينهي عنها لما فِي ضمنها١.
فأما الأشعار التي ينشدها المغنون المتهيئون للغناء ويصفون فيها المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عَنِ الاعتدال ويثير كامنها من حب اللهو وَهُوَ الغناء المعروف فِي هَذَا الزمان مثل قول الشاعر:
ذهبي اللون تحسب من ... وجنتيه النار تقتدح
خوفوني من فضيحته ... ليته وافى وأفتضح
وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة كلها تخرج سامعها عَنْ حيز الاعتدال وتثير حب الهوى ولهم شيء يسمونه البسيط يزعج القلوب عَنْ مهل ثم يأتون بالنشيد بعده فيعجعج القلوب وَقَدْ أضافوا إِلَى ذلك ضرب القضيب والإيقاع به عَلَى وفق الإنشاد والدف بالجلاجل والشبابة النائبة عَنِ الزمر فهذا الغناء المعروف الْيَوْم.
فصل: قال المصنف ﵀: وقبل أن نتكلم فِي إباحته أَوْ تحريمه أَوْ كراهته نقول ينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وإخوانه ويحذر تلبيس إبليس فِي إجراء هَذَا الغناء مجرى الأقسام المتقدمة التي يطلق عليها اسم الغناء فلا يحمل الكل محملا واحدا فيقول قد أباحه فلان وكرهه فلان فنبدأ بالكلام فِي النصيحة للنفس والاخوان فنقول.
معلوم أن طباع الآدميين تتقارب ولا تكاد تتفاوت فَإِذَا ادعى الشاب السليم البدن
١ كذا في النسختين: وقد سقط ذكر العلة.
1 / 202
خطبة الكتاب
الباب الأول: الأمر بلزوم السنة والجماعة
الباب الثاني: في ذم البدع والمبتدعين
الباب الثالث: في التحذير من فتن إبليس ومكايده
الباب الرابع: في معنى التلبيس والغرور
الباب السابع: في تلبيس إبليس على الولاة والسلاطين
الباب التاسع: في ذكر تلبيس إبليس على الزهاد والعباد
الباب الحادي عشر: في ذكر تلبيس إبليس على المتدينين بما يشبه الكرامات
الباب الثاني عشر: في ذكر تلبيس إبليس على العوام
الباب الثالث عشر: في ذكر إبليس على الناس بطول الأمل