تفسير ابن باديس
تفسير ابن باديس ((في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير)).
ایډیټر
علق عليه وخرج آياته وأحاديثه أحمد شمس الدين.
خپرندوی
دار الكتب العلمية بيروت
شمېره چاپونه
الأولى
د چاپ کال
١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.
د خپرونکي ځای
لبنان.
سیمې
الجزایر
متبعين لرضوانه، المقتضي لقبوله مثوبته وكرامته لهم، ولم يتبعوا أهواءهم ومألوفاتهم وما ألفوا عليه آباءهم ولا أهواء الناس ورضاهم، فكان اتباعهم لرضوان الله سببا في دوام إرشادهم وتوفيقهم، وبقدر ما يكون ازدياد اتباعهم، يكون توفيقهم؛ إذ قوة السبب تقتضي قوة المسبب، والخير يهدي إلى الخير والهدي يزداد بالاهتداء.
وهذا الربط الشرعي بين التوفيق والاتباع، يقتضي الربط ما بين ضديهما: الإعراض والخذلان، وأنه بقدر ما يكون الإعراض عن الهدى، يكون الخذلان والحرمان، والشر يدعو بعضه إلى بعض، والسيئة تجر السيئة.
وقد أفاد تخصيص التوفيق بأهل الاتباع، وجعل التوفيق مسببًا عنه- بما في صلة الموصول من التعليل- قوله تعالى: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾.
إلى ماذا تكون الهداية؟
فشؤون الشخص في نفسه، وشؤونه فيما بينه وبين أهله، وفيما بينه وبين بنيه، وفيما بينه وبين أقاربه، وفي بيته، وبين جيرانه، وفيما بينه وبين من تربطه به علاقة من علاقات الحياة ومصالحها، وشؤون الجماعات وشؤون الأمم فيما بينها.
كل هذه الشؤون سبل وطرق في الحياة، تسلك ويسار عليها؛ للبلوغ إلى الغايات المقصودة منها مما به صلاح الفرد والمجموع؛ وكلها إن سلكت بعلم وحكمة وعدل وإحسان، كانت سبل سلامة ونجاة، وإلاّ كانت سبل هلاك، فيحتاج العبد فيها إلى إرشاد وتوفيق من الله تعالى.
وقد منّ الله- بفضله- على العباد بهذا النبي الكريم، والكتاب العظيم، فمن آمن بهما واتبعهما ففيهما ما يهديه إلى كل ما يحتاج إليه في كل سبيل من تلك السبل في الحياة. وباتباعهما- واتباعهما اتباع لرضوان الله- يوفقه الله ويسدده في سلوك تلك السبل- الفردية والجماعية والأممية- إلى ما يفضي به إلى السلامة والنجاة. وتكون تلك السبل كلها له سبل سلام، أي سلامة ونجاة، لأنها أفضت به بإرشاد الله وتوفيقه، جزاء لاتباعه وتصديقه إليها، كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦].
...
الإخراج من حالات الحيرة إلى حالة الاطمئنان:
تمر على العبد أحوال يكون فيها متحيرًا مرتبكًا كمن يكون في ظلام؛ منها حالة الكفر والإنكار، وليس لمنكر الحق المتمسك بالهوى والمقلد للآباء من دليل يطمئن به ولا يقين بالمصير الذي ينتهي إليه.
ومنها حالة الشك، ومنها حالة اعتراض الشبهات، ومنها حالة ثوران الشهوات. وكما أن الله يرشد ويوفق من اتبعوا رضوانه طرق السلامة والنجاة بالرسول- ﵌ والقرآن، كذلك يخرجهم بهما باتباعهما والاهتداء بهما من ظلمات الكفر والشك والشبهات
1 / 332