لكنهم قالوا شىئا آخر وهو أن العرض لا يدل على طبيعة البياض والسواد وعلى طبائع سائر الأعراض؛ بل على أن له نسبة إلى ما هو فيه وعلى أن ذاته تقتضى هذه النسبة؛ والجنس يدل على طبيعة الأشياء وماهيتها فى أنفسها، لا ما يلحق ماهياتها من النسبة. وهذا قول سديد. والدليل على ذلك أن لفظة العرضية إما أن تدل على أن الشىء موجود فى موضوع، فتكون دلالته على هذه النسبة؛ أو تدل على أنه فى ذاته بحيث لا بد له من موضوع؛ فهذا أيضا معنى عرضى؛ وذلك لأن نسبة هذا المعنى إلى أكثر الأعراض مثل الكيفية والكمية والوضع أمر غير مقوم لماهياتها، لأن ماهياتها تتمثل مدركة مفهومة. إليه إلا بمقارنة أمر يجعله مشارا إليه؛ وكذلك فى العقل لا يكون كذلك إلا بأن يلحق به العقل معنى يخصصه، ثم لا يعرض له من الخارج أن يكون عاما حتى يكون ذات واحدة بالحقيقة هى حيوان، وقد عرض له فى الأعيان الخارجة أن كان هو بعينه موجودا فى كثيرين؛ وأما فى الذهن فقد يعرض لهذه الصورة الحيوانية المعقولة أن تجعل لها نسب إلى أمور كثيرة، فيكون ذلك الواحد بعينه صحيح النسبة إلى عدة تتشاكل كل فيه، بأن يحمله العقل على واحد واحد منها - فأما كيف ذلك فلصناعة أخرى - فيكون هذا العارض هو العموم الذى يعرض للحيوانية، فيكون الحيوان لهذا العموم كالخشب مثلا لعارض يعرض له من شكل أو غيره، وكالثوب الأبيض، فيكون الثوب فى نفسه معنى، والأبيض معنى، ويتركبان فيكون هناك معنى آخر مركبا منهما؛ كذلك الحيوان هو فى العقل معنى، وأنه عام أو جنس معنى، وأنه حيوان جنسى معنى. فيسمون معنى الجنس جنسا منطقيا، ومفهومه أنه المقول على كثيرين مختلفين بالنوع فى جواب ما هو، من غير أن يشار إلى شىء هو حيوان أو غير ذلك، مثل أن الأبيض فى نفسه له معقول لا يحتاج معه أن يعقل أنه ثوب وأنه خشب، فإذا عقل معه ذلك عقل شىء يلحقه الأبيض؛ وكذلك الواحد فى نفسه له معقول، فأم أنه إنسان أو شجرة فهو أمر خارج عن معقوله يلحقه أنه واحد. فالجنس المنطقى هو هذا. وأما الطبيعى فهو الحيوان بما هو حيوان، الذى يصلح أن يجعل للمعقول منه النسبة التى للجنسية، فإنه إذا حصل فى الذهن معقولا، صلح أن تعقل له الجنسية، ولا يصلح لما يفرض متصورا من زيد هذا، ولا للمتصور من إنسان، فتكون طبيعة الحيوانية الموجودة فى الأعيان تفارق بهذا العارض طبيعة الأنسانية وطبيعة زيد؛ إذ هو بحيث إذا تصور صلح أن يلحقه عموم بهذه الصفة، التى هى الجنسية؛ وليس له خارجا إلا الصلوح لها بحال. فقولهم: الجنس الطبيعى، يعنون به الشىء الطبيعى الذى يصلح أن يصير فى الذهن جنسا، وليس هو فى الطبيعيات بجنس؛ ولأنه يخالف فى الوجود غيره من الأمور الطبيعية بهذا المعنى، فلا يبعد أن يخصص لهذا المعنى باسم، وأن يجعل ذلك للاسم من اسم الشىء الذى يعرض له بحال وهو الجنسية. وأما الحيوان الجنسى فى العقل، فهو المعقول من جنس طبيعى؛ وأما الجنسية المعقولة المجردة، فمن حيث هى مقررة فى العقل، هى أيضا جنس معقول، ولكن من حيث إنها شىء من الأشياء يبحث عنه المنطقى، فهو جنس منطقى؛ وليس؛ وإن لم يكن لهذا الذى هو منطقى وجود إلا فى العقل، يجب أن يكون المفهوم من أنه عقلى هو المفهوم من أنه منطقى؛ وذلك أن المعنى الذى يفهم من أنه عقلى، هو غير المفهوم من أنه منطقى؛ وذلك أن المعنى المفهوم الذى يفهم من أنه عقلى لازم ومقارن للمعنى الذى يفهم من أنه منطقى ليس هو هو، إذ قد بان لك اختلاف اعتباريهما. فالجنس المنطقى تحته شيئان: أحدهما أنواعه من حيث هو جنس، والآخر أنواع موضوعاته التى يعرض لها؛ أما أنواعه، فلأن الجنس المطلق أعم من جنس عال وجنس سافل، فهو يعطى كل واحد مما تحته من الأجناس المتقررة حده واسمه؛ إذ يقال لكل واحد منهما إنه جنس، ويحد بحد الجنس؛ وأما أنواع موضوعاته فلا يعطيها اسمه ولا حده؛ كذلك ليس كونه فى مكان؛ الذى هو نسبة طرف واحد؛ هو نفس كون ماهيته مقولة بالقياس إلى غيره؛ بل هو موضوع لذلك من حيث تصير النسبة شاملة للطرفين، للحاوى والمحوى. وهذا إنما يتضح لك فى باب المضاف حقيقة الاتضاح؛ وأما ههنا فهو شىء كالتنبيه غير محصل.
وأما قول القائل: والأطراف التى تأخذ من الكيفية شيئا، فيشبه أن يكون يعنى بهذا مقولة يفعل وينفعل، فتكون الكيفية هى الأمر الذى يسوق إليه الفعل والانفعال، ويكون الطرفان النسبتين اللتين للفاعل والمنفعل إليهما. ويشبه أيضا أن يكون يعنى مع هذين الوضع أيضا، وذلك بسبب أن الوضع يلزمه الشكل أو يلزم الشكل.
وأنت تعلم أن هذا الكلام متشوش جدا؛ فإن لفظة الأطراف لا تدل فى هذا الموضع على معنى محصل. والأخذ من الكيفية شىئا هو لفظ متشابه لا تجد تحته معنى متواطئا فيه؛ ولا أيضا يدل بالتشكيك؛ وإن كان يخيل شيئا؛ فإن من أفضل أحوال المعانى النسبية التى لا تتفق فى النوع، إذا وقع عليها اسم أن يكون على سبيل التشكيك، فقلما يوجد فيها تواطؤ صرف، وخصوصا فى مثل هذا الموضع؛ إذ الأخذ ليس له مفهوم محصل، ولا الأطراف.
مخ ۷۰