402

هذا : وقد قيل في التعليم الأول : لما كان يجب أن تكون مقدمات البرهان كلية حتى تكون يقينية لا تتغير تغير الأمور الشخصية، ووجب أن تكون نتائجها كذلك كلية ودائمة، وجب ألا يكون برهان على الأشياء الجزئية الفاسدة؛ بل على أحوالها قياس ما يدل على أن الأمر هكذا فقط : لأنه لا يمكن أن يدل على انه يجب ألا يتغير. ولا أيضا بها علم إلا العلم الذي بطريق العرض. وأما اليقين فغنما يكون بالحكم الكلى الذي يعم الشخص وغيره، ثم عرض واتفق أن دخل هذا الشخص تحت ذلك الحكم دخولا لا تقتضيه نفس ذلك الحكم، ولا الشخص يقتضي دوامه تحته. فليس أحدهما يقتضي دوام النسبة مع الآخر. فإذن النسبة بينهما عارضة وقتا ما. والعلم إذن بالجزئي - أعني الشخص - علم بالعرض. ولذلك إذا زال عن الحس وقع فيه شك ولو في الذاتيات : مثل أنه هل زيد حيوان. فإنه إن مات أو فسد لم يكن حيوانا. وقيل في التعليم الأول أيضا انه فرض على الفاسد برهان كانت إحدى المقدمتين غير كلية - وهي الصغرى - وفاسدة. أما فاسدة فلأن المقدمات لو كانت دائمة لكانت النتيجة دائمة، فكان دائما يوصف الشخص الفاسد بالأكبر ولو بعد فساده. وهذا محال. وأما غير كلية فإن الكلية تبقى وهذا الشخص قد فسد، فكيف يمكن أن يحكم عليه بالكلية؟ وإنما يبقى الكل محمولا أياما ووقتا ما. ومحال أن يكون برهان وليست المقدمتان كليتين ودائمتين. فإذن لا برهان على الفاسد. ولا قياس أيضا كليا، بل قياسات في وقت. وسنبين بعد أن كل حد فإما أن يكون مبدأ برهان أو تمام برهان أو نتيجته - أو يكون برهانا متغيرا متقلبا؛ وتكون الأجزاء التي للحد مشتركة بين البرهان والحد. وإذ لا برهان عليها فلا حد لها. ثم الفاسدات إنما بفارق كل واحد منها إما شيئا خارجا عن نوعه، أو شيئا في نوعه. فأما مفارقته لما هو خارج عن نوعه فيجوز أن يكون بالمحمولات الذاتية. ولكن لا يكون ذلك بما هو هذا الشخص، بل بما له طبيعة النوع. واما الأشياء التي في نوعه فإنما يفارقها بأمور غير ذاتية، بل بخواص له عرضية، ويمكن أن تكون مشاركاته في نوعه بالقوة بلانهاية ، وله مع كل واحد منها فصل آخر عرضي لا ذاتي، فإن الأشياء التي تحت النوع الواحد متفق كلها في الذاتيات.

فإذن لا يجوز أن يحد الشخص الفاسد والشخص المشارك في نوعه الأقرب حدا يكون له بما هو شخص أصلا، لأنه إن ميز بقول كان ذلك القول من عرضيات لا من ذاتيات، ومن عرضيات غير محدودة. وأما القول الذي من الذاتيات الذي يفرقه لا من أشخاص نوعه، بل من سائر الأنواع، فليس له لأنه هذا الشخص، بل لأن له طبيعة النوع. فالحد للشخص الفاسد أيضا بالعرض مثل البرهان.

ولقائل أن يقول: إنكم قد أشترطتم في مقدمات البراهين أن تكون كلية لا محالة؛ ونحن قد علمنا أن من مقدمات البراهين ما هي جزئية - وذلك إذا كانت المطالب جزئية. والبرهان الجزئي وإن لم يكن في شرف البرهان الكلي فإنه برهان يعطي اليقين والعلة، كما أن البرهان السالب وإن لم يكن في شرف البرهان الموجب، فإنه برهان يعطي اليقين والعلة في كثير من الأوقات.فيكون الجواب.

إن " الكلى " يقال على وجهين : فيقال كلى لقياس الشخص المخصوص؛ ويراد به أن الحكم فيه على كلى، سواء كان على كله أو بعضه أو مهملا بعد أن يكون الموضوع كليا. ويقال كلى لقياس الجزئي والمهمل، ويراد به أن الحكم على موضوع كلى وعلى كله.

والمقدمة الجزئية غير الشخصية: فإن موضوعها كلى. والبعض أيضا الذي يختص بالحكم منها وإن لم يكن معينا فإنه في الأكثر طبيعة كلية: كقولنا بعض الحيوان ناطق.

فإذن الوجه الذي اشترطناه في هذا الموضوع تدخل فيه المقدمة الجزئية ولا تدخل الشخصية.

وقيل في التعليم الأول : ولأن الأشياء الواجبة الوقوع المتكررة بالعدد قد يبرهن عليها وتحد مثل كسوف القمر، فحري أن يشك شاك أنه كيف وقع لها مع فسادها برهان واحد.والجواب: أن كسوف القمر على الإطلاق نوع ما بذاته مقول على كسوفات قمرية جزئية فاسدة، وذلك النوع طبيعة معقولة كلية. فالبرهان والحد لتلك الطبيعة النوعية ذاتية ودائمة يقينية وكذلك الكسوف في وقت ما:فإنه وإن اتفق ألا يكون واحدا، فليس نفس تصوره كسوفا قمريا في وقت حاله وصفته كذا يمنع عن أن يقال على كثيرين حتى يكون في وقت ما بتلك الصفة كسوفات كذلك شمسية أو قمرية ؛ كما ليس تصور معنى الشمس والقمر يمنع أن يقال على كثيرين.

مخ ۴۵۹