المنطق
المنطق
والفرق بين هذا القسم والقسم الذي قبله - أعني القسم الذي جعلنا مثاله الأكر المتحركة أن ذلك العلم ليس موضوعا تحت العلم الناظر في العارض المقرون به، بل تحت العلم الذي ينظر في العام لموضوعه : إذ علم الأكر المتحركة ليس تحت الطبيعيات، بل تحت الهندسة. وأما هذا فهو موضوع تحت العلم الناظر في العارض المقرون به : لأن الموسيقى ليس تحت الطبيعي بل تحت الحساب. وأما الذي عمومه عموم الموجود والواحد فلا يجوز أن يكون العلم بالأشياء التي تحته جزءا من علمه : لأنها ليست ذاتية له على أحد وجهي الذاتي. فلا العام يؤخذ حد الخاص ولا بالعكس؛ بل يجب أن تكون العلوم الجزئية ليست أجزاء منه. ولأن الموجود والواحد عامان لجميع الموضوعات، فيجب أن تكون سائر العلوم تحت العلم الناظر فيهما. ولأنه لا موضوع أعم منهما فلا يجوز أن يكون العلم الناظر فيهما تحت علم آخر. ولأن ما ليس مبدأ لوجود بعض الموجودات دون بعض، بل هو مبدأ لجميع الموجود المعلول )102 ب (، فلا يجوز أن يكون أن يكون النظر فيه في علم من العلوم الجزئية، ولا يجوز أن يكون بنفسه موضوعا لعلم جزئي، لأنه يقتضي نسبة إلى كل موجود. ولا هو موضوع العلم الكلى العام، لأنه ليس أمرا كليا عاما. فيجب أن يكون العلم به جزءا من هذا العلم.
ولأنا قد وضعنا أن من مبادئ العلوم ما ليس بينا بنفسه، فيجب أن يبين في عم آخر إما جزئي مثله أو أعم منه فننتهي لا محالة إلى أعم العلوم. فيجيب أن تكون مبادئ سائر العلوم تصح ف هذا العلم. فلذلك يكون كأن جميع العلوم تبرهن على قضايا شرطية متصلة : مثلا إنه إن كانت الدائرة موجودة فالمثلث الفلاني كذا، أو المثلث الفلاني موجود. فإذا صير إلى الفلسفة الأولى يبين وجود المقدم فيبرهن أن المبدأ كالدائرة مثلا موجود. فحينئذ يتم برهان أن ما يتلوه موجود. فكأن ليس علم من الجزئية لم يبرهن على غير شرطي.
والصناعات المشتركة في موضوع هذا العلم ثلاثة : الفلسفة الأولى والجدل والسوفسطائية. والفلسفة الأولى تفارق الجدل والسوفسطائية في الموضوع وفي مبدأ النظر، وفي غاية النظر : أما في الموضوع فلأن الفلسفة الأولى إنما تنظر في العوارض الذاتية للموجود والواحد ومبادئهما ولا تنظر في العوارض الذاتية لموضوعات علم علم من العلوم الجزئية. والجدل والسوفسطائية ينظران في عوارض كل موضوع - كان ذاتيا أو غير ذاتي - ولا يقتصر ولا واحد منهما على عوارض الواحد والموجود.
فالفلسفة الأولى أعم من العلوم الجزئية لعموم موضوعها. وهما أعم نظرا من العلوم الجزئية لنهما يتكلمان علة كل موضوع كلاما مستقيما كان أو معرجا، لكل بحسب صناعته.
وقد تفارقهما من جهة المبدأ : لأن الفلسفة الأولى إنما تأخذ مبادئها من المقدمات البرهانية اليقينية. وأما الجدل فمبدؤه من المقدمات الذائعة المشهورة في الحقيقة. وأما السوفسطائية فمبدؤه من المقدمات المشبهة بالذائعة أو اليقينية من غير أن تكون كذلك في الحقيقة.
وقد تفارقهما من جهة : لأن الغاية في الفلسفة الأولى إصابة الحق اليقين بحسب مقدور الإنسان. وغاية الجدل الارتياض في الإثبات والنفي المشهور تدرجا إلى البرهان ونفعا للمدينة. وربما كانت غايتها الغلبة بالعدل. وذلك العدل ربما كان بحسب المعاملة وربما كان بحسب النفع، وأما الذي بحسب المعاملة فإن يكون الإلزام واجبا مما يتسلم، وإن لم يكن اللازم حقا ولا صوابا. وأما الذي بحسب النفع فربما كان بالحق وربما كان بالصواب المحمود.
مخ ۴۵۶