375

واعلم أن الأعراض الغريبة لا تجعل مطلوبات في مسائل الصنائع البرهانية : وذلك لأنها إن أخذت من حيث تتخصص بموضوع الصناعة زال بذلك غرابتها. وإنما يمكن أن تخصص إذا كانت مناسبة للموضوع أو لجنسه أو لما هو كالجنس فيكون العام للعام والمخصص للمخصص. وما لم يكن كذلك لم يكن مستعملا في البرهان. وإن أخذت مطلقة فليس وجودها لموضوع الصناعة - من حيث هو موضوع الصناعة - إذ قد توجد في غيره فلا يكون النظر فيها من جنس النظر المخصوص بالصناعة. ثم العلوم إما جزئية أو كلية. والعلم الجزئي إنما هو جزئي لأنه يفرض موضوعا من الموضوعات ويبحث عما يعرض له من جهة ما هو هو ذلك الموضوع. فإن لم يفعل كذلك لم يكن العلم الجزئي جزئيا، بل دخل كل علم في كل علم، وصار النظر ليس في موضوع مخصوص، بل في الوجود المطلق، فكان العلم الجزئي علما كليا ولم تكن العلوم متباينة. مثل هذا أن علم الحساب جعل علما على حدة لأنه جعل له موضوع على حدة وهو العدد. فينظر صاحبه فيما يعرض للعدد من جهة ما هو عدد. فلو كان الحساب ينظر في العدد أيضا من جهة ما هو كم : أو كان الناظر في الهندسة ينظر في المقدار من جهة ما هو كم، لكان الموضوع لهما " الكم " لا العدد ولا المقدار. وإن كان ينظر في العدد من جهة ما هو في مقدار ما، أو ذو مقدار، فيكون نظره في عارض للمقدار من حيث هو مقدار. وإن كان له أيضا حين ينظر في المقدار من جهة ما هو عدد أن ينظر فيما يعرض للعدد من حيث هو عدد، كان العلمان قد صارا علما واحدا. وكذلك إن كان هذا ينظر في المقدار من جهة ما يقارن مبدأ حركة، فيكون له أن ينظر في الشيء من جهة له مبدأ حركة، لم يتميز علم من علم. أو كان صاحب العدد ينظر في العدد من جهة ما هو موجود، كان له أن ينظر فيما يعرض للموجود من حيث هو موجود، فكان الحساب لا يفارق الفلسفة الأولى. فذلك إذا كان موضوع صناعة ما جزئية - ولتكن الطب - أمرا - وليكن بدن الإنسان - وطلب عارض غريب ليس للإنسان من جهة ما هو إنسان - مثلا كالسواد المطلق والحركة المطلقة - فإن السواد للإنسان من جهة ما هو جسم مركب تركيبا ما، والحركة له من جهة ما هو جسم طبيعي، وكان له أن ينظر فيما يعرض للجسم المركب من حيث هو جسم مركب، أو من حيث هو جسم - لكان الطب هو عين العلم الطبيعي الكلي، ولم يكن علما جزئيا فكأن يكون أيضا بيطرة وفلاحة، إذ كأن يكون كل واحد منهما العلم الطبيعي ويتحير فيه الفهم، إلا أن يجعل السواد سوادا مخصصا بالإنسان، ليس أن يجعله سوادا لإنسان بل سوادا هو بحال مع تلك الحال يكون للإنسان، حتى لا يكون تخصيص نسبة فقط، بل تخصيص لأمر خاص، لذلك الخاص تخصصت النسبة. فبين أن الأعراض الغريبة لا ينظر فيها في علم من البرهانيات. وإذا اتفق أن أنتج شيء من هذا في علم ما - وإن كان من مقدمات صادقة - فإنما يكون بيانا على سبيل العرض : لأن في مثل هذا القياس إما أن يكون الأوسط غريبا أو الأكبر. فإن كان الأوسط أمرا غريبا من هذا الموضوع فيكون مناسبا لموضوع آخر وللعلم الكلي، فيكون البرهان بالذات من صناعة أخرى، ويكون من هذه الصناعة بطريق العرض. فإن كان الأوسط مناسبا، لكن حمل الأكبر عله لا يكون لأنه هو، بل الأكبر المحمول غريب منه ومن جنسه - وإلا لكان الأكبر مناسبا ولا يكون أيضا لأجل شيء داخل معه فيكون من حق الأوسط أن يكون بينه وبين الأكبر أوسط أخر قد ترك، وأخذت النتيجة لا عن وجهها الذي تبين به حين لم يؤخذ في بيانها مقدمة بينة بنفسها، ولا مقدمة يجري أمرها على أنها مبدأ لعلم وأصل موضوع، فلا يحصل من ذلك يقين مطلق ولا يقين لازم عن أصل موضوع. فلا يكون البيان بيانا حقيقيا بل بالعرض. وقد ظن بعضهم أن السبب في ألا يستعمل في البراهين وسط من عرض غريب - وإن كان لازما - إنه لا يكون علة ذاتية للطرف الأكبر، فلا يكون البرهان " برهان لم " . وليس المر على ذلك : فإن هذا النظر الذي نحن فيه ليس كله فيه " برهان لم " حتى إذا لم يكن للشيء " برهان لم " لم ينظر فيه في هذا الكتاب، وصار حينئذ قياسا خارجا عن القياسات التي في هذا الكتاب، فصار ذلك جدليا أو مغالطيا أو غير ذلك. فإنه ليس يصير القياس بأن ينتج شيئا صدقا من مقدمات صادقة مأخوذة من حيث هي صادقة، جدليا ولا مغالطيا ولا شيئا حقه أن يبان في فن آخر من الفنون الخارجة عن البرهان. ولا أقسام الصنائع القياسية أكثر من هذه الخمسة. بل هذا الكتاب يشتمل على بيان البرهان المطلق الواقع على ما يعطي اليقين بالإن فقط، وعلى ما يعطيه مع الإن اللم. فيكون العارض الغريب الذي ليس بعلة لا يجعل القياس خارجا عن البحث الذي في كتاب البرهان؛ ولا يوجب ألا يكون يقين. وكفى سقوطا بقول من يقول إن ما لا يعرف له علة لا يكون به يقين، انه يوجب ألا يكون له يقين بالبارئ جل ذكره إذ لا سبب لوجوده، فيعترف بأنه ضائع السعي في طلب العلم، إذ هو فاقد للشيء الذي يطلب له العلم، وهو اليقين بالبارئ تعالى جده. بل يجب أن يعلم أن العلة في تزييف هذا العارض ما هو مفهوم كلام المعلم الأول لمن فهمه : وهو أن هذا العارض إذا جعل وسطا كان الكبر إما مساويا له وإما أعم منه : وكيف كان الأكبر، كان أمرا غريبا عن موضوع الصناعة خارجا عن موضوع الصناعة. وذلك أن ما ساوى شيئا يقع خارج موضوع الصناعة فهو واقع خارجا، فضلا عما هو اعم منه. فإذا كان كذلك لم يكن الأكبر من الأعراض الذاتية بوجه من الوجوه. فإن كان الأكبر عرضا ذاتيا وكان الأوسط عرضا غريبا أعم منه، دل كما تدل العلامات التي هي أعم وجودا، وعلى ما قيل في الفن المتقدم. ويكون مثل هذا البيان بيانا إن وقع حقا فإنما يقع حقا على سبيل العرض.

الفصل الثالث في كون المقدمات البرهانية كلية وفي معنى " الأولى " وتتميم القول في " الذاتي "

وقد كان المقول على الكل في " كتاب القياس " مقولا على كل واحد وإن لم يكن في كل زمان. وكان المقول على الكل في " كتاب البرهان " مقولا على كل واحد وفي كل زمان يكون فيه الموضوع بالشرط المذكور. ثم قد يختلف في " كتاب البرهان " المفهوم من (المقول على الكل)، ومن " الكلى " ، فإن " الكلى " في " كتاب البرهان " هو المقول على كل واحد في كل زمان وأولا. فيكون كليا باجتماع شرائط ثلاثة. وكل واحد من نوعي الذاتي قد يقال أولا، وقد يقال غير أول. فإذا كان الشيء محمولا على كلية الموضوع مثل الجنس والفصل والعرض اللازم فغنما يكون أوليا له إذا كان لا يحمل أولا على شيء أعم منه حتى يحمل بتوسط ذلك الشيء عليه. فإنا إذا قلنا " كل إنسان جسم " فإن الجسم ليس أوليا للإنسان : لأن الجسم يحمل على الحيوان فيكون حمله على الحيوان قبل حمله على الإنسان. فلا يتوقف حمله على الحيوان أن يكون محمولا على الإنسان. ولا يحمل على الإنسان إلا وقد حمل على الحيوان. والشيء الذي يكون لشيء ولم يكن لآخر، لا يكون للآخر إلا وقد كان له، فهو لاشيء أولا وقبل كونه للآخر.

وإذا تعقبت أصناف ما يقال أولا وقبل، وجدتها تدخل في هذه الخاصية - كان بالطبع أو بالعلية أو بالمكان أو بالزمان أو بالشرف أو غير ذلك.

فتبين أن كل محمول على أعم من الموضوع فهو محمول على الأعم أولا، وعلى الموضوع ثانيا. وعلى هذا القياس إذا قلنا " كل متساوي الساقين فزواياه الثلاث مساوية لقائمتين " فإن ذلك مما يوجد لغير متساوي الساقين من المثلثات. فهو إذن للمثلث أولا، ولمتساوي الساقين ثانيا. وهذا الصنف الأول ربما كان المحمول أولا فيه أعم من الموضوع، كالجسم للحيوان في المثال الأول، والحيوان للإنسان. وربما كان مساويا مثل مساواة الزوايا لقائمتين - للمثلث. وهذا ربما كان داخلا في الماهية كما في المثال الأول، وربما كان عرضا ذاتيا كما في المثال الثاني.

مخ ۴۳۲