المنطق
المنطق
وهذه فصول نافعة في العلوم دقيقة في أنفسها لا يجب أن يستهان بها. وقس على هذا حال الفصل الذي هو لجنس الإنسان في وجوده للإنسان فإنه كجنس الحيوان أيضا في أنه جزء من الحيوان يوجد أولا للحيوان، وبالحيوان للإنسان.واعرف هذا بالبيانات التي قدمت، فإنك إن حاولت عرفانه من البيان الأخير تخيل عندك أن ذلك مختص بالجنس ولا يقال للفصل، وليس كذلك. ولكن في تفهم كيفية الحال فيه صعوبة ربما سهلت عليك إن تأنيت للاعتبار، وربما عسرت. وطبيعتها غير مطردة. فإذا أردت أن تعتبر ذلك فتذكر حال الفرق بين الفصل والنوع، وتذكر ما بيناه من أن طبيعة كل فصل، وإن كانت في الوجود مساوية لنوع واحد، فهي صالحة لأن تقال على أنواع كثيرة. فإذا تذكرت هذا وأحسنت الاعتبار، وجدت طبيعة فصل الجنس يستحيل حملها على الإنسان ولم يحمل عليه الحيوان حالما لم يحمل عليه الحيوان. فقد بان لنا أن الجنس الأقرب إذا نسب إلى النوع بالفعل ونسب الجنس الذي يليه إلى ذلك النوع بالفعل، أو نسب فصله إلى ذلك النوع بالفعل، لم تكن نسبة جنس الجنس وفصل الجنس قبل نسبة الجنس، وأن ذلك ليس كما يأخذ الآخذ طبيعة الجنس والفصل بذاتهما غير منسوبة إلى شيء بعينه حتى يكون ما هو أعم مما يجوز أن يوجد وإن لم يوجد ما هو أخص. وفرق بين أن يكون قبل في الوجود مطلقا، وأن يكون قبل في الوجود لشيء.
فقد اتضح من ذلك أن الشبهة منحلة. وهذا يتبين بيانا أوضح إذا نحن تأملنا الأمور البسيطة. فإنه لا يجوز أن يوجد معنى اللون لشيء ثم توجد له البياضية، بل الموجود الأول له هو البياضية. وإذا وجد الشيء بياضا أو سوادا تبعه وجود أن للشيء لونا، وإن كان اللون اعم من البياض وقد يوجد حيث ر يوجد البياض. لكنه لا يوجد لجزئيات البياض إلا لأنه موجود للبياض، إذ كان معنى فصل الجنس وجنسه يوجدان للجنس وإن لم يوجدا لنوعه المعين. ولا يوجدان للنوع إلا وقد وجدا للجنس. فهما إذن لمعنى الجنس قبلهما لمعنى النوع. فظاهر بين أن وجودهما للجنس بذاته، ووجودهما للنوع بالجنس. فإذن الجنس سبب في وجودهما للنوع : لأن كل ما هو بذاته فهو سبب لما ليس بذاته.
وكذلك حال ما تحت النوع مع النوع : فإن قال قائل : إنا إذا قلنا إن كل ج حساس، وكل حساس حيوان، فأنتجنا أن كل ج حيوان، لم يمكن أن يزول هذا العلم البتة، ولم يمكنا ألا نصدق بأنه لا يمكن ألا يكون كل ج حيوانا : فالجواب أن الأمر ليس هكذا، بل الحيوان، وإن لزم وجود الحساس، فليس بينا أن كل حساس حيوان بيانا يقينيا، بل بيانا وجوديا، أو هو بيان ما بيان برهاني. وذلك لأن معنى قولك حساس هو انه شيء ذو حس من غير زيادة شرط، فليس يلزم ضرورة أن يكون ذلك الشيء من جهة أنه ذو حس هو ذو اغتذاء ونمو وحركة مكانية، لا بأن تكون هذه المعاني مضمنة في الحساس تضمينا بالفعل، ولا بأن يكون العقل يوجب في أول الأمر أن يكون كل حساس يلزمه هذه المعاني كلها بذاتها - وجملة هذه المعاني معنى الحيوان.
فإذن كون الحساس حيوانا بلا بيان آخر أمر ليس يتعين بالوجوب إلا بوسط، بل هو امر لا يمنع العقل في أول وهلة أن يكون شجرا أو يكون جسما له حس وليس له سائر المعاني التي بها تكون الحياة. فإذن توسيط الحساس وحده لا يوجب اليقين المدعى، إلا أن يؤخذ الحساس من جهة يكون علة للحيوان لا فصلا. ثم يتمم سائر المعاني التي يصير بها علة موجبة للحياة على ما نوضح في باب العلل من كيفية أخذ العلل حدودا وسطى. فحينئذ لا يكون الحساس الفصل حدا أوسط، ولا أيضا الحساس وحده. وأما إذا كان الحيوان هو الحد الأوسط والحساس مضمن فيه، ليس لازما خارجا عنه، وجب اليقين بالحساس لا محالة ولم يمكن أن يتغير. وأنت تزداد تحقيقا لهذا مما سلف.
الفصل الحادي عشر في اعتبار مقدمات البرهان من جهة تقدمها وعليتها وسائر شرائطها
مخ ۴۱۷