المنطق
المنطق
واعلم أن التجربة ليست تفيد إلا في الحوادث التي على هذا السبيل وإلى هذا الحد. وإذا اعتبرت هذا القانون الذي أعطيناه، سهل لك الجواب عن التشكك المورد لحال الناس السود في بلاد السودان وولادتهم السود. وبالجملة فإن الولادة إذا أخذت من حيث هي ولادة عن ناس سود، أو عن ناس في بلاد كذا، صحت منه التجربة. وأما إن أخذت من حيث هي ولادة عن ناس فقط، فليست التجربة متأتية باعتبار الجزئيات المذكورة، إذ التجربة كانت في ناي سود، والناس المطلقون غير الناس السود. ولهذا فإن التجربة كثيرا ما تغلط أيضا إذا أخذنا بالعرض مكان ما بالذات فتوقع ظنا ليس يقينا. وإنما يوقع اليقين منها ما اتفق أن كل تجربة وأخذ فيها الشيء المجرب عليه بذاته. فأما إذا أخذ غيره مما هو أعم منه أو أخص، فإن التجربة لا تفيد اليقين. ولسنا نقول أن التجربة أمان عن الغلط وإنها موقعة لليقين دائما. وكيف والقياس أيضا ليس كذلك! بل نقول إن كثيرا ما يعرض لنا اليقين عن التجربة فيطلب وجه إيقاع ما يوقع منها اليقين. وهذا يكون إذا أمنا أن يكون هناك أخذ شيء بالعرض، وذلك أن تكون أوصاف الشيء معلومة لنا، ثم كان يوجد دائما أو في الأكثر بوجوده أمر، فإذا لم يوجد هو لم يوجد ذلك الأمر. فإن كان ذلك عن وصف عام فالشيء بوصفه العام مقلون للخاص. فالوصف الخاص أيضا مقارن للحكم. وإن كان ذلك الوصف مساويا للشيء أيضا، فوصفه الخاص المساوي مقارن للحكم. وإن كان لوصف خاص بل أخص من الطبيعة للشيء، فذلك الوصف الخاص عسى أن يكون هو الذي تكرر فيما امتحنا وفي أكثر الموجود من الشيء عندنا، فيكون ذلك مما يهم الكلية المطلقة ويجعلها كلية ما أخص من كلية الشيء المطلقة، ويكون الغفول عن ذلك مغلطا لنا في التجربة من جهة حكمنا الكلى : فإن في مثل ذلك، وإن كان لنا يقين بأن شيئا هو كذا يفعل أمرا هو كذا، فلا يكون لنا يقين بأن كل ما يوصف بذلك الشيء يفعل ذلك المر : فإنا أيضا لا نمنع أن سقمونيا في بعض البلاد يقارنه مزاج وخاصية أو يعدم المتعارف عندنا، المحسوس، هو لذاته أو طبع فيه يسهل الصفراء إلا أن يقاوم بمانع. وكذلك حال الزمرد في إعمائه الحية.
ولو كانت التجربة مع القياس الذي يصحبها تمنع أن يكون الموجود بالنظر التجربي عن معنى أخص، لكانت التجربة وحدها توقع اليقين بالكلية المطلقة لا بالكلية المقيدة فقط. وإذ ذلك وحده لا يوجب ذلك إلا أن يقترن به نظر وقياس غير القياس الذي هو جزء من التجربة، فبالحرى أن التجربة بما هي تجربة لا تفيد ذلك. فهذا هو الحق، ومن قال غير هذا فلم ينصف أو هو ضعيف التمييز لا يفرق بين ما يعسر الشك فيه لكثرة دلائله وجزئياته، وبين اليقين. فإن هاهنا عقائد تشبه اليقين وليست باليقين. وبالجملة فإن التجربة معتبرة في الأمور التي تحدث على الشرط الذي شرطناه، وفي اعتبار عللها فقط. فإن كان ضرب من التجربة يتبعه يقين كلى حتم على غير الشرط الذي شرطناه لا شك فيه، فيشبه أن يكون وقوع ذلك اليقين ليس عن التجربة بما هي على أنه أمر يلزم عنها، بل عن السبب المباين الذي يفيد أوائل اليقين، وخبره (195) في علوم غير المنطق. فيشبه حينئذ أن تكون التجربة كالمعد، وليس بذلك المعد الملزم الذي هو القياس، بل معد فقط.
فالفرق بين المحسوس والمستقرى والمجرب أن المحسوس لا يفيد رأيا كليا البتة، وهذان قد يفيدان. والفرق بين المستقرى والمجرب أن المستقرى لا يوجب كلية بشرط أو غير شرط بل يوقع ظنا غالبا - اللهم إلا أن يؤول إلى تجربة. والمجرب يوجب كلية بالشرط المذكور.
الفصل العاشر في بيان كيفية كون الأخص علة لإنتاج الأعم على ما دون الأخص وإبانة الفرق بين الأجناس والمواد وبين الصور والفصول
مخ ۴۱۴