المنطق
المنطق
ثم نقول : إذا كان لحمل محمول على موضوع دائما، أو سلبه عنه دائما، أو لحمله و سلبه في وقت معين يكونان فيه بالضرورة علة لتلك العلة، صارت النسبة بين الموضوع والمحمول تلك النسبة. وذات المحمول والموضوع ليس لهما - لولا تلك العلة - تلك النسبة بالوجوب بل بالإمكان. وإذا علما من غير الوجه الذي به صار حكم ما بينهما ضروريا على تلك النسبة، فقد علما من جهة غير الجهة التي بها لا يمكن ألا يكونا بتلك الحال: وذلك هو أن يعلم الحكم بوجه غير وجه السبب الذي يوجبه : لأن كل نسبة للموضوع إلى المحمول المذكورين ؛ وللمحمول إلى الموضوع المذكورين تفرض واقعة لا من الجهة التي توجبها العلة، فهي واقعة من الجهة إمكان لا وجوب. فيكون قد علم أن كذا كذا، ولم يعلم أنه لا يمكن ألا يكون كذا ؛ إذ لا يعلم ما به لا يمكن ألا يكون كذا. فإن قاس إنسان فقال : إن فلانا به بياض البول في حمى حادة، وكل من به بياض بول في حمى حادة فهو يعرض له سرسام ، وأنتج، لم يكن له بما أنتج علم يقينى أو يعلم. وكذلك لو قال قائل : إن كل إنسان ضحاك، وكل ضحاك ناطق، فلا يجب من هذا أن يتيقن أن كل إنسان ناطق، بحيث لا يجوز أن يصدق بإمكان نقيض هذا: وذلك لأن الضحك - أي قوة الضحكية - لما كانت معلومة لقوة النطق ، فما لم يعلم وجوب قوة المنطق أولا للناس ، ووجوب إتباع قوة الضحك لقوة النطق ، لم يجب أن يتيقن أنه لا يمكن أن يوجد إنسان ليست له قوة الضحك إلا أن يوجد ذلك في الحس ، والحس لا يمنع الخلاف فيما لم يحس أو يوجد بالتجربة. وأما العقل فيمكن إذا ترك العادة أن يشك في هذا فيتوهم أنه ليس للإنسان قوة ضحك دائما وللجميع، أو يتوهمه زائلا، إذ ليس بمقوم لماهية الإنسان أو بين الوجود له ؛ إلا أن يكون تيقنه بوجوب كون الإنسان ناطقا يوجب كونه ضاحكا - أو يتوهمه زائلا، إذ ليس بمقوم لماهية الإنسان أو بين الوجود له ؛ إلا أن يكون تيقنه بوجوب كون الإنسان ناطقا يوجب كونه ضاحكا - إن أوجب ولم يحتج إلى زيادة. وحينئذ يكون قد عرف وجوبه بعلته فاستحال أن يعود وتبين به العلة. فإن فرضنا أنه ليس يعرف أن الإنسان ناطق؛ فحينئذ لا يتبين له أن الإنسان ضحاك ومن طريق الناطق. وإن كان بينا مثلا أن كل ضحاك ناطق فكيف يصير من ذلك بينا أن الإنسان ناطق؟ وبالجملة إذا كان معلوما أن الإنسان ناطق لم يكن لطلبه عليه وجه. وإن كان مما يطلب ويجهل، فالصغرى في هذا القياس مجهولة يجب أن تطلب. فإذن من الجائز حينئذ أن يتوهم أنه ليس كل إنسان بضاحك. فيكون العلم المكتسب منه جائز الزوال؛ إذ كان إنما اكتسب من جهة اعتبار أن كل إنسان ضاحك. فإن علم من الوجه الذي صار الضحك واجبا؛ وهو أن أعطيت العلة الموجبة في نفس الأمر للضحك، فيجب ضرورة أن يكون ذلك قوة النطق. فيكون عرف أولا أن كل إنسان ناطق. فاقتناصه ذلك بتوسط الضحك فضل. وكذلك حال السواد للغراب. فإنا إنما نقول كل غراب أسود بوجه من الاستقراء والتجربة؛ وإنما يمكننا أن نتيقن بذلك إذا عرفنا أن للغراب مزاجا ذاتيا من شأنه أن يسود دائما ما يطهر عليه من الريش. فبين أن الشيء أو الحال إذا كان له سبب لم يتيقن إلا من سببه. فإن كان الأكبر للأصغر لا بسبب بل لذاته لكنه ليس بين الوجود له؛ والأوسط كذلك للأصغر إلا أنه بين الوجود للأصغر؛ ثم الأكبر بين الوجود للأوسط؛ فينعقد برهان يقيني؛ ويكون برهان إن ليس برهان لم. وإنما كان يقينا لأن المقدمتين كليتان واجبتان ليس فيهما شك : والشك الذي كان في القياس الذي لأكبره سبب يصل بأصغره، كان حين لم يعلم من السبب الذي به يجب؛ بل أخذ من جهة هو بها لا يجب بل يمكن. فإن كل ذي سبب فإنما يحب بسببه. وأما هاهنا فكان بدل السبب الذات؛ وكان الأكبر للأصغر لذاته ولكن كان خفيا، وكان الأوسط أيضا له لذاته لا بسبب؛ حتى إن جهل جهل. ولكنه لم يكن خفيا. فقد علمت المقدمة الصغرى بوجوبها، والكبرى أيضا كذلك : إذ لم يكن الأكبر للموصوفات بالأوسط إلا لذاتها؛ لا لسبب يجهل لجهله : والذي يبقى هاهنا شيء واحد : هو أن لقائل أن يقول كيف تكون الذات الواحدة تقتضي لذاتها شيئين : مثلا الأصغر كيف يقتضي ب الأوسط، أ الأكبر اللهم إلا أن يقتضي أحدهما لذاته أولا؛ ويقتضي الثاني لا لذاته بل يتوسط ذلك الأول بينهما. فحينئذ يكون ب على أ - لا بحسب البيان فقط، بل وبحسب الوجود. فالجواب أن المنطقي من حيث هو منطقي يجب أن يأخذ أن هذا ممكن في مواد هذهصفتها؛ ولا يمكن في مواد مخالفة لها. وأما هل لهذه المواد إمكان أم لا؛ وهل هذا الشك صحيح فيها أم لا؛فليس هو بعلم منطقي؛ بل البحث عن أمثال هذه للفلسفة الأولى؛ فإنه متعلق بالبحث عن أحوال الموجودات. وهناك يتبين أنه يجوز أن يكون للذات الواحدة من الذوات التي ليست بغاية البساطة لواحق كثيرة تلحق معا ليس بعضها قبل بعض؛ وأن في بعض الذوات البسيطة أحوالا تشبه هذا من جهة تركيب معنوي فيها، إذ لا تكون بساطتها بساطة مطلقة. وأكثر الموجودات هذه صورتها.
مخ ۴۰۹