348

كل مطلب من هذه فإنما يتوصل إلى نيله بأمور موجودة حاصلة. لكن هاهنا موضع شك في أن المعدوم الذات المحال الوجود كيف يتصور إذا سئل عنه " ما هو " حتى يطلب بعد ذلك " هل هو " . فإنه إن لم يحصل له في النفس معنى، كيف يحكم عليه بأنه حاصل أو غير حاصل؟ والمحال لا صورة له في الوجود، فكيف يؤخذ عنه صورة في الذهن يكون ذلك المتصور معناه؟ فنقول إن هذا المحال إما أن يكون مفردا لا تركيب فيه ولا تفصيل، فلا يمكن أن يتصور البتة إلا بنوع من المقايسة بالموجود وبالنسبة إليه كقولنا الخلاء، وضد الله : فإن الخلاء يتصور بأنه للأجسام كالقابل، وضد الله يتصور بأنه كما للحار البارد؛ فيكون المحال يتصور بصورة أمر ممكن ينب إليه المحال، ويتصور نسبة إليه وتشبها به. وأما في ذاته فلا يكون متصورا معقولا ولا ذات له. وأما الذي فيه تركيب ما وتفصيل مثل عنز أيل أو عنقاء وإنسان يطير فإنما يتصور أولا تفاصيله التي هي غير محالة، ثم يتصور لتلك التفاصيل اقتران ما على قياس الاقتران الموجود في تفاصيل الأشياء الموجودة المركبة الذوات. فيكون هناك أشياء ثلاثة اثنان منها جزءان كل بانفراد موجود، والثالث تأليف بينهما، هو من جهة ما هو تأليف متصور ، بسبب أن التأليف من جهة ما هو تأليف من جملة ما يوجد. فعلى هذا النحو يعطى معنى دلالة اسم المعدوم فيكون المعدوم إنما تصور متقدم للموجودات.

ونقول الآن إنه إذا كان حصل عندنا حكم على كلي أول حصوله :إما بينا بنفسه مثل إن كل إنسان حيوان، والكل أعظم من الجزء، أو بينا باستقراء أو تجربة على الوجوه التي يصدق بها بالأشياء من غير استعانة بقياس، فقد علمنا بالقوة الحكم على كل جزئي تحته، ولكن جهلناه بالفعل. فلا نعرف مثلا أن زيدا الذي بالهند حيوان : لأنا إنما عرفناه بعد بالقوة إذ عرفنا أن كل إنسان حيوان، وإنما جهلناه بالفعل لأنه يحتاج أن يجتمع لنا إلى هذا العلم علم آخر أو علمان آخران حتى يخرج الذي بالقوة إلى الفعل. وذلك بأنه يجب أن نعلم أن زيدا موجود، وأن نعلم أنه موجود إنسانا. فإذا حصل لنا بالحس معرفة أنه موجود وأنه إنسان من غير أن يكون مطلوبا أو متعلما، واقترن بذلك علم، كان عندنا حاصلا أيضا بغير قياس، اقترانا على التأليف الذي من شأنه أن يحدث بالذات علما ثالثا، علمنا أن زيدا حيوان. فيكون عن معرفة وعن علم اجتمعا حدث لنا علم. أما المعرفة منهما فهو ما كان من الحس، وأما العلم فما كان من العقل. والمعرفة حدثت في الحال، وأما العلم فقد كان قبلها. والذي يحصل منهما فقد يجوز أن يكون قد كان لنا مطلوبا وطلبنا مبادئه الموصلة إليه، ويجوز أن يكون شيئا قد انسقنا إليه انسياقا لموافاة أسبابه عن غير طلب. ومع ذلك فيجب أن يتقدم تصور المطلوب ومبادئه على كل حال.

وقد يتفق ألا يكون هكذا : بل يكون الحكم على الكلى حاصلا عندنا بقياس، والحكم على الجزئي حاصلا بقياس آخر. فإذا اجتمعا حصل العلم الثالث. ولكن وإن كان كذلك فإن القياسات الأولى تكون من مقدمات بينة بنفسها أو مكتسبة بالاستقراء والتجربة والحس من غير قياس على ما نوضح بعد.

مخ ۴۰۲