312

فلنقل الآن في أحوال التي تعوق عن التحليل بسبب شكل القياس وبسبب شكل المقدمة، أعني الذي ليس بسبب الحدود. فنقول: أنه قد يتفق القياس الموجود مركبا، فيحتاج أن يحلل أولا إلى القياسات. فإن وجد قياس أوهم ذلك أن القياس الثاني هو من شكله، فيجب أن لا يلتفت إلى ذلك، ونعلم أن القياسات قد ترتكب، وهي من أشكال وضروب مختلفة، بل يجب أن تعتبر حال التأليف في نفسه لا غير. وإذا كانت القياسات مؤلفة لتنتج سلبا، وكان المحمول مركبا، فإنه قد يمكن أن يخفف فيزال التركيب. وذلك لأنه إذا كان الدعوى أن الماء جسم بسيط مشروب، فهذا يمكن أن يبطل فيه جملة القول، فيقال: ليس جسما بسيطا مشروبا. ويمكن أن يبطل بأن يبطل أنه مشروب. فإنه إذا أبطل أنه مشروب، لم يكن جسما بسيطا مشروبا. ثم يكون إبطال أنه مشروب، يكفي أن يورد الحد الأكبر في القياس وهو المشروب وحده، فكيف التحليل أسهل. فنقول: ماء البحر ماء، ثم لا نقول: وماء البحر ليس بجسم بسيط مشروب؛ بل نقول: ليس بمشروب. فهذا وذلك يقوم لك في غرضك مقام المركب. فإن جاءك قياس استثنائي فحله إلى شكله، لا تحله إلى الأشكال الاقترانية. أما المنتجة للاستثنائية؛ فسيمكنك ذلك فيه. وكذلك المنتج للخلف في قياس الخلف، وإما على الطريق المشهور عند الجمهور، وأما الحقيقي المركب من الحمل الشرطي، على ما أوضحناه، وكلاهما اقتراني. ويمكن أن يحلل إلى أشكال. والفرق بين الشرطية في القياس الاستثنائي الذي في الخلف؛ والقياس الاستثنائي الذي ليس في الخلف، أن الشرطية التي في الخلف لا يلتفت فيها إلى تسليم المخاطب، إذا الحق من طرق النقيض، وأما الأخرى فيحتاج أن يقرر المخاطب بها، ويتسلم منه أنه إذا كان المقدم كذا، لزم كذا التالي. والخلفية في كل مادة يكون التالي منها نقيض المقدم في الأكبر، فلا يصرح بها استثناء. وفي غير الخلف لا بد من التصريح في أكثر الأمر. ورما لم يصرح الأمر بالمستثنى هذا. وربما أشكال الأمر في الانحلال، وكان القياس صالحا لأن ينحل إلى أشكال ثلاثة كالقياس المنتج للجزئي السالب؛ أو إلى الأول والثاني، كالقياس المنتج للكلي السالب؛ أو إلى الأول والثالث، كالمنتج للجزئي الموجب. وربما كان لا ينحل إلى شكل آخر إما أنه لا ينتج مطلوبه إلا في شكل واحد كمنتج الكلي الموجب، وإما لأنه إن أنتج مطلوبه غيره. فإنه لا ينحل إلى ذلك الغير لأن حدده لا تطيع العكس المراد إليه، كرابع الثاني وخامس الثالث، فإنه يجب أن تراعى الحدود وكيف حال الشركة فيها. فإن أشكال فلا تبال بعد أن ينحل. ومما يتعذر معه أمر حل القياس إلى الأشكال، اشتباه السالبة والمعدولة. فإنه إن كانت المقدمتان أو إحداهما معدولة ظنت السالبة فغلظ ذلك. وأكثر ما يغلظ هذا إذا كانت النتيجة موجبة بسيطة لا عدول فيها، وفي مقدمات عدول. فظن سلبا مثلا أن تكون الصغرى معدولة من جهة المحمول، والكبرى معدول من جهة الموضوع. مثل قولنا: كل ج، هو لا ب. وما هو لا ب، فهو ا. فكل ج ا. فهذا ما يحير ويغلظ. ولكن يجب أن نراعى حال السلب والعدول، وأن نأخذ المعدول موجبا وحرف السلب جزءا من الحد الذي يقرن به وخصوصا من المحمول. وقد علمت الفرق بين الموجب والسالبة والحال في تلازمها وتخلفها. وسيكفيك ما سلف لك من بيان ذلك ، ولا تحتاج إلى الإطالة التي تورد في هذا الموضع، لتبين به الفرق بين أن يرد السلب بعد هو وبعد الكلمة الوجودية؛ وبين أن يرد قبل هو الكلمة الوجودية؛ بأن يقال: لا فرق بين أن يرد بعد هو وبعد الكلمة الوجودية، وبين أن يرد بعد معنى آخر. فإنه لو كان قولنا: موجود لا أبيض، مناقضا لقولنا: موجود أبيض، لكان قولنا: يمكن أن يمشي، مناقضا لقولنا: يمكن أن لا يمشي، بل يكون قولنا: عود أبيض، مناقضا قولنا: عود لا أبيض. فسيكون كل شيء إما عود أبيض، وإما عود لا أبيض. فسيكون القمر عودا لا أبيض، وسيكون كل شيء إما شيئا يساوي شيئا، وإما شيئا غير مساو على المعنى مفاوت. مثلا: إذا عنينا بغير مساو المفاوت، أو عنينا شيئا أعم منه مختصا بالوجود، فستكون النقطة إما مساويا للخط، وإما مفاوتة، قالوا: إذا غلظ وأخذ المعدول في قوة السلب عرض منه حال، وغلظ عظيم. فليكن ا، مكون ب، ليس بمكون د، هو غير مكون ج. أبيض د ليس بأبيض ب، هو غير أبيض. حتى يكون ب، الشيء الذي لا هو أبيض، ولا هو أيضا ليس بأبيض. لأن المعدولة غير السالبة. ود الشيء الذي ليس بمكون ولا أيضا هو ليس بمكون. لأن المعدولة غير سالبة. وإذا كان ا مكونا، فيكون محمولا على ج الأبيض حمل الأعم، حتى يكون كل أبيض مكونا، وليس كل مكون أبيض. ولكن ب نقيض ا وهو ليس بمكون، ود نقيض ج وهو ليس أبيض، فلأن ا أعم من ج، فيكون د أعم من ب. وقد علمت هذا مما تكرر عليك. ومما يزيدك في التنبه لذلك بيانا، أن تعلم أنه لما كان يكذب عليه ا، يكذب عليه ج، فيصدق عليه د. وكان قد صدق ب، وكلما صدق ب، صدق د. لكن ا قد يصدق على ما ليس بج، لأنه أعم منه، فيصدق إذن على بعض ما هو د، وحينئذ يكذب ب، وكلما كان صدق ب، صدق د. فإذن د أعم من ب . فكذلك إذا كان د أعم من ب، فسيكون ج أخص من ا، وعلى قلب ذلك البيان فليكن د الغير مكون، في قوة النقيض ل ا المكون، فإن كان هو في قوة النقيض، فسيكون على هذا الحكم المذكور في الانعكاس. ولكن ب كذلك لج، فإن كان د في قوة النقيض ل ا، كان أخص من ب؛ وكان أيضا أخص من ب، إذ كان ب في قوة د من حيث هو غير أبيض. وإذا كان كذلك لم يكن د ب، وليس د أيضا با. فيصدق عليه أنه ليس ا، وقد يصدق عليه أيضا أنه ليس ب. فهو إذن قد سلب عنه الطرفان. وما سلب عنه الطرفان فهو في حكم الواسطة. والواسطة، ليس بأن يكون نقيضا لأحد الطرفين، أولى منه بأن يكون نقيضا للطرف الآخر، بل هو نقيض لكل طرف. فإذن من حيث د هي نقيض ا، وب نقيض لج، فيكون ب أعم من د. ولأن د نقيض ب، ود نقيض ج؛ ونقيض ب، أعم من ج، فسيصير د أعم من د، وهو هو، هذا خلف. وأما أن نقول: أنني لست أفهم هذا الكلام حق الفهم. وسيكون غيري فهما أبلغ من فهمي له لأنه إن كان إنما يكون واسطة لأن الطرفين يسلبان عنه. فيكن إذن شيء ليس هو ا. وأيضا ذلك الشيء ليس هو ب. فهذا يكفيني أن أعلم أن ا د ليسا بمتناقضين. ولا أحتاج إلى هذه الهندسة كلها. ومع ذلك فإنه ليس هذا كالواسطة بالحقيقة، فإن الواسطة هو الذي سلب عنه الطرفان جميعا من حيث الطبيعتين لا من حيث العموم والخصوص. والمعدولة ليست هي السالبة، على الوجه الذي يقال: ليس الإنسان هو الحيوان، إن معنى الحيوان أعم من الإنسان. فأما أن الحيوان ليس محمولا على الإنسان، فكلا. وههنا فإن الوجبة لا تحمل على المعدولية. وأما السالبة المقابلة لها فإنها تحمل على المعدولية. وإنما تفارقها بحسب العموم. والمتوسط كالمباين، فليس إنما تخالف الطرفين بأن أحد الطرفين أعم، بل بأن الطرف لا يحمل عليها أصلا. فقد أخذ إذن المعدولية كالواسطة. وإنما المعدولية بالحقيقة، نوع وأمر أخص من الطرف الآخر. ومثل هذه الواسطة ليس يجب أن تكون نسبتها إلى الطرفين نسبة واحدة، بل تكون نسبتها إلى أحدهما نسبة الأمر الذي هو مباين، ونسبته إلى الآخر نسبة الأمر الذي هو أخص. ثم إن الواسطة، وإن كانت مسلوبا عنها الطرفان، فليست تقوم ولا لشيء من الطرفين مقام النقيض؛ فإنه ليس كلما ليس الشيء، فهو نقيضه، وكل من له عقل وإنصاف يعقل أن هذه النسبة غير متشابهة. وليس يجب إذا فرض نقيضا من جانب، أن يصير نقيضا من الجانب الآخر؛ بل أن يصير متوسطا. ثم يشبه أن يكون عند غيري بيان لهذا ليس عندي؛ إلا أنه لم يرد في التفاسير شيء يقنع به. وإنما خبطوا فيه خبط عشواء.

والمقدار الذي عرف في أول العدول والسالب يغني عن تكلف هذه الهندسة، فليقتصر على ذلك، فإن في ذلك بيانا وفرقانا. واعلم أن أخذ المعدول مكان النقيض يكون بالقوة، كنقل النقيض إلى المضادة. وقد علمت ما في هذا. فإن كانت المادة ضرورية لم يختلف، وإن كانت ممكنة اختلف ولم يصلح.

الفصل العاشر (ي) فصل في استقراء النتائج التابعة للمطلوب الأول بالقياس المؤلف

مخ ۳۶۱