309

وإذا كان الحد الأوسط معنى ليس بشخصي فمن حق الكبرى أن يكون صادقا عند حصر الكلي. فيكون قولنا: زيد المغني يجوز أن يدخله كل، فتكون كأنك قلت: إن كل شيء يوصف بأنه زيد المغني. وقد علمت أن معنى هذا أن الأمور موضوعة لزيد المغني، إذ علمت أن قولنا: كل ج ب، معناه كل ما يوصف بأنه ج بالفعل فهو ب؛ ليس بشرط إذا ما دام موصوفا بأنه ج، أو في وقت آخر. والأمور الموضوعة لزيد المغني أحدها زيد مطلقا، والثاني زيد المغني من حيث هو مغني،وهما مختلفان، ويحمل عليهما زيد المغني، فمن الكذاب أن يقال: إن كل ما يوصف بأنه زيد المغني، ويوضع لمعنى زيد المغني، فإنه يبطل غدا، بل بعض ذلك، وهو الذي هو زيد المغني، من حيث هو زيد المغني. وأما كل ما يوصف بأنه زيد المغني، ويوضع لزيد المغني فلا. فإن زيدا لا بشرط إنه زيد المغني، لست أقول بشرط إنه ليس زيد المغني، هو مما يوصف بأنه زيد المغني، مثل إن الإنسان باعتبار نفسه، وإن لم يشترط باعتبار أنه أبيض، فإنه يوصف بأنه أبيض. فإنك إذ تقول: زيد أبيض، فلم يأخذ الموضوع إلا زيدا فقط بلا زيادة. وكذلك يوصف أيضا مأخوذا مع الأبيض حين تقول: زيد الأبيض أبيض. لكنه إذا أخذ مع الأبيض كان الحمل ضروريا، بالوجه الذي تعلم. وإذا أخذ مطلقا، كان الحمل عليه مطلقا. وهذا الفن من العموم، هو الذي عمومه ليس بحسب الأشخاص، بل بحسب الأحوال، وقد فهمت هذا مرارا. فإن أخذ زيد، أنه زيد، شيء، وأخذ أنه زيد المغني، شيء، وقولنا: الموصوف بأنه زيد المغني، شيء. وقولنا: الموصوف بأنه زيد، المغني، هو كل واحد منها. لأن زيدا يكون معتبرا أنه زيد، ولا تعتبر معه زيادة. ويكون معتبرا مع اشتراط زيادة أنه معنى. وهذا لا يبطل شخصي زيد، لأنه شخص من حيث هو زيد فقط، مشترطا فيه معنى فقط. وإذ قد تبين هذا، فإذا أخذت الكبرى مهملة أوهمت الصدق، وإذا جعلت كلية كذبت. فهذان المثالان، مثال ما تكون الحدود منه مرتبة ترتيبها، ولكن في تحصيل كميتها تخليط، وربما كان التخطيط في روابط الحدود. وذلك لأنه ربما عبر عن القياس بأن يبتدأ من المحمولات، فيحتاج حينئذ إلى زيادة لفظ ليس داخلا في الحدود، وإنما هو رابطة أو شبه رابطة. ثم يقع فيه اشتراك كمن يقول: إن في الصحة ولا في شيء من المرض، والمرض في كل إنسان. قيل: وقد يظن أنه يعرض من هذا أن الصحة غير ممكنة أن تكون في واحد من الناس. ولكن لقائل أن يقول: إنه أخذ النتيجة ضرورية، وهذا مما لا يلزم عن القياس عنده، وإن كان قياسا. والذي يظن أنه يلزم عنه، هو أن الصحة ليست ولا في واحد من الناس. وهذا يكون حقا على النحو الذي الصغرى به حق، وهو أن المرض في كل إنسان. فإن أخذت الصغرى ممكنة؛ فهذا على النحو ممكن؛ وقد حكتم أن هذا القياس ينتج ممكنة. وإن أخذ الصغرى مطلقة،وصح إطلاقها، فهذه النتيجة أيضا تصح مطلقة. والذي نقول في الجواب عن هذا: أن النتيجة مأخوذة ضرورية، والكبرى مأخوذة ضرورية، والصغرى مأخوذة ممكنة.

وإذا قد استدل في التعليم الأول على صدق الصغرى من جهة القبول. والقبول لا يدل على الوجود، بل على الإمكان. على أن كل إنسان يصدق عليه أنه مريض مطلقا، إذ كل إنسان مائت، وكل موت يفتقده مرض، ولو زمانا يسيرا. فمن القياس أن تقال الصحة بالضرورة، لا على شيء من المرض. والمرض، إن شئت، قلت: ممكن، أو شئت قلت: موجود في كل إنسان. فإن أخذت الصغرى مطلق،وجب أن تكون النتيجة ضرورية اتفاقا. وإن أخذتها ممكنة، وجب أن تكون النتيجة ضرورية على حسب اعتبار الحق، وإن لم يكن عليه اتفاق. وعلى أن المعلم الأول يومئ إلى أنه يأخذها ممكنة، فيتضمن ذلك أن رأيه هذا الرأي. لكنه يقول ما يقوله في الاختلاطات على سبيل الامتحان. وبعد هذا فإن النتيجة الضرورية كاذبة، وسبب كذبها أن دلالة لفظة " في " في الكبرى ما يشبه الرابطة. ولذلك يصدق أن نقول: ولا شيء مما هو مرض بصحة. وفي الصغرى هي جزء من المحمول. ولذلك لا نقول هناك: إن كل إنسان مرض، بل نقول: بل كل إنسان فيه مرض. فتكون لفظة " في " في الكبرى تدل على أن حمل لفظة " في " في الصغرى لا تدل على أن الأوسط محمول على الأصغر، بل موجود فيه. فإن أصلح حتى قيل مثلا: كل إنسان فيه مرض، أو هو مريض، أو ذو مرض. ثم قيل: ولا شيء مما هو مرض بصحة، لم يكن قياسا. فإن أصلح كرة أخرى فقيل: ولا يمكن أن يكون شيء مما هو مريض بصحة أنتج حقا: وهو أنه لا أحد من الناس يمكن أن يكون صحة. وإن سلك به إلى أن ينتج المحال، وهو أنه لا شيء من الناس يمكن أن يكون صحيحا، يجب أن تقال الكبرى: ولا شيء مما هو مريض يمكن أن يكون صحيحا. فتكون هذه القضية كاذبة. وهذا نوع من الغلط يقع حيث تكون الحالات أخذت مكان قوابل الحالات، وأخذت الصحة مكان الصحيح والمرض مكان المريض بالقوة، وإن لم يكن بالفعل. فهذه أنحاء من الغلط تعرض بسبب الأمور الداخلة على الحدود مثل: الحصر، والإهمال، والربط.

الفصل الثامن (ح)فصل في تعريف وجوه آخر من الاعتبارات المأخوذة من الحدود ومن نفس الحكم، لا بالقياس إلى النتيجة، يسهل بها التحليل

مخ ۳۵۵