217

والفرق بين الاعتبارين أن النظر في الأبيض بلا اعتبار ، شرط قد يقال: إنه نظر في الأبيض من حيث هو أبيض، المجوز فيه أن يكون أي شيء كان، موصوف بأنه أبيض. ولمكن لم يلتفت عند ذلك الوصف والاعتبار إلى شيء من تلك الأشياء التي يجوز أن تكونه. وإنما التفت إلى نفس أنه شيء أبيض الجائز أن يكون جصا أو ثلجا أو غير ذلك. والنظر في الأبيض باعتبار شرط لا لتجريد يقال إنه نظر في الأبيض من حيث هو أبيض، وهو النظر في الشيء الأبيض المرفوع عنه أنه جص أو بياض أو له وجود آخر غير وجود أنه شيء أبيض فقط. فإذا أخذ الأبيض هكذا، سلب عنه الحيوان. وصح أن يقال: إن الأبيض المأخوذ من حيث هو أبيض بهذه الصفة ليس حيوانا. فإن اعتبر بالمعنى الأول فيكون الإببض من حيث هو أبيض المشترك فيه. فلا يقال إنه سلب عنه الحيوانية؛ بل لا يوجب حاله سلب الحيوانية عنه، ولا إثبات الحيوانية له. فلا يكون الشيء الأبيض من حيث هو أبيض بهذا المعنى ليس حيوانا؛ بل يجوز أن يكون حيوانا إلا أن يقال: إن الشيء الأبيض ليس من حيث هو شيء أبيض بهذا المعنى حيوانا، فينتقل لفظه من حيث هو أبيض إلى المحمول. فبين إن قلنا: ليس شيء مما هو أبيض حيوانا، لم يصدق بهذا المعنى، على أن يأخذ الأبيض جزءا من الموضوع. وما يشفي يكفي في هذا الأمر أن يعلم أنه لا اعتبار في تأليفاتنا ههنا بهذا البتة، أعني بالنظر في الموضوع والمحمول أنه من حيث أو ليس من حيث؛ بل أن ينظر إلى الشيء الموصوف مثلا بأنه أبيض لا يزيد شيئا آخر. فإن صح عليه الإيجاب في كل وقت، أو وقتا ما، فقد صح الإيجاب؛ و صح كذلك السلب، فقد صح السلب. وأنه إذا زيد على هذا شيء، فقد أدخل شرط الاعتبار " من حيث " ، وكان غير نفس الموضوع وحده، وغير نفس المحمول وحده، اللذين الاعتبار بهما، بل قرن بهما اعتبار أو اعتباران، فقد صارت القضية حينئذ آخرى. واعلم أن الفاضل الذي أكثر اشتغالي بمخاطبته مقر بما أقوله؛ بل المعلم ألاول مصدقا بأن الكبرى الضرورية في الشكل الأول، إذا قارنت صغرى غير ضرورية، كانت النتيجة ضرورية. فلنضع أن كل ب ج لا بالضرورة، ولنقل كل ب هو آ بالضرورة، ويغني ما قد وافق عليه الفاضل والمعلم الأول، وما قد علمت. فلم لا يقول واحد منهما: إن هذه ليست ضرورية، بل يجب أن يقال: كل ب آ من حيث هو ب بالضرورة. وإذا قال: بالضرورة ولا شيء من ب آ، قال أيضا: من حيث هو ب. فإنه إذا اعتبر هذا صدق ما قال الطاعنون على من أنتج من هاتين ضرورية. وذلك لأنه قال الطاعن فيه مثل ما قاله هذا الفاضل في عكس الممكن ومثل ما قيل في هذا الموضع. فلقائل أن يقوا له عند قوله وتمثيله لإنتاج الضرورية من الاقتران المذكور - مثلا إذا أنتج: أن كل صاعد جسم بالضرورة، من قوله: كل صاعد متحرك ، وكل محرك جسم بالضرورة، فكل صاعد بالضرورة - إن النتيجة ليست ضرورية؛ لأن الصاعد من حيث هو صاعد ليس جسما بالضرورة. وكذلك لقائل آخران يقول: إن قولك في الكبرى " كل متحرك جسم بالضرورة " ليس صادقا؛ إذ ليس هو من حيث متحرك جسما بالضرورة، حتى إذا لم يكن متحركا لم يكن جسما. فإن قال: إن الأبيض يجوز من حيث اعتبار أنه أبيض أن لا يكون حيوانا؛ ولا كذلك المتحرك من حيث هو متحرك، فإنه لا يجوز أن لا يكون جسما. فنقول: لم يكن غرضنا ما ذهبت إليه؛ بل إنك كما تقول إنه ليس حيا من جهة أنه أبيض، لا نقول ليس هذا المشار إليه جسما بالضرورة من جهة ما هو متحرك، بل هو جسم بالضرورة وإن لم يكن متحركا. ثم لا يمنعك جواز قولك: إنه ليس جسما بالضرورة من جهة كونه متحركا ولأنه متحرك، أن تقول: كل متحرك جسم بالضرورة. فإن منعت فقد كبت المقدمة التي نستعملها في هذه المواضع.

فقد عرفت أن جهات الموضوع والمحمول من حيث هي زوائد بعد الحمل، وأن الإيجابات - كما علمت - تنتقل بسببها سلوبا والسلوب إيجابات؛ بل يجب أن يلتفت إلى ما جعل موضوعا، وإلى ما جعل محمولا، وإلى حمل ووضع، فإن صدق حمل، وإن لم يصدق لم يحمل. وإن كانت زيادة تلحق أحدهما فيصير الكذب صدقا والصدق كبا، فقد انتقلت القضية وصارت أخرى. وأنه ليس إذا حق سلب - مع إدخال هذه الدواخل - بطل الإيجاب الذي كان أولا، أو حق إيجاب بطل السلب الذي كان أولا؛ إذ قد تغير المحمول والموضوع. فانظر فيما يسلبه أو يوجبه إلى نفس السلب والإيجاب كما هو. فإن كان صادقا وكان دائم الصدق فاحكم أنه كما هو ضروري، أو كان غير دائم الصدق فاحكم أنه كما هو مطلق. فإذا غيرت، فاستأنف الاعتبار. وفي المثال الذي نحن في اعتباره يجب أن ينظر إلى الأمور التي قال لها بيض وإلى الحيوان، فنجد الحيوان إما كاذبا سلبها عنها، أو كاذبا إيجابها عليها، أو في بعض دون ذلك، ثم ينظر أذلك دائم فيها كلها أو بعضها أو بعض دون بعض؛ ثم إذا أخلت من جهة كذا وبشرط كذا فيعلم أن القضية صارت أخرى، وتتوخى لها حال صدق وكذب وضرورة وغير ضرورة مرة أخرى، وتترك ما مكان في يديك. وأظن أن هذا القدر كاف لمن أنصف.

الفصل الثالث (ج)فصل في باقي الاختلاط بينهما

الضرب الخامس: بعض ج ب بالإطلاق، ولا شيء من آ ب بالضرورة، وحكمه ما علمت.

الضرب السادس: بعض ج ب بالضرورة، ولا شيء من آ ب بالإطلاق، وحكمه المشهور ما علمت.

الضرب السابع: ليس كل ب ج بالإطلاق، وكل آ ب بالضرورة، والمشهور فيه ما قد علمته؛ وحدوده: ليس كل أبيض حيوانا، وكل إنسان حيوان، فليس كل أبيض إنسانا.

الضرب الثامن: ليس كل ج ب بالضرورة، وكل آ ب بالإطلاق؛ والحدود: بالضرورة ليس كل أبيض حيوانا، وكل إنسان حيوان. ثم قيل مع ذلك: فليست النتيجة اضطرارية.

مخ ۲۴۸