شعر و فکر: د ادب او فلسفې په هکله مطالعات
شعر وفكر: دراسات في الأدب والفلسفة
ژانرونه
أن يمد ظلال رعايته التي طالما غمرني بها، فدعانا لإقامة قاعة بحث عن تطور شكل القصة العربية منذ عهد المقامة والمقالة القصصية، حتى نضوج القصة القصيرة عند أعلامها المعاصرين.
في هذه القاعة رأيت الشاعرة لأول مرة: شقراء، طويلة جدا، تجاوزت الأربعين بقليل، صامتة ضيقة العينين، تنبعث منهما شيخوخة لا تناسب عمرها، وبرود وسكون لا نلحظهما إلا في عيون الجلادين والحكماء! وتعرفت عليها بعد ذلك فعلمت المزيد. فهي تقوم بتدريس اللغة التركية في قسم اللغات الشرقية بالجامعة، كما نشرت العديد من قصائدها في المجلات الأدبية، وإن كان ديوانها الأول لا يزال تحت الطبع. لقد ولدت سنة 1936م في برلين، ولا زالت تعيش بها، وحصلت على الدكتوراه في الأدب التركي الحديث برسالة عن خلق العالم ورموز الحيوان عند الشاعر فاضل حسنود أغلاركا، ونقلت إلى لغتها عددا من الآثار الأدبية التركية: قصائد للشاعر أراس أورن بعنوان «منفى خاص»، وقصائد أخرى لنفس الشاعر بعنوان: «ألمانيا، حكاية تركية»، وملحمة شعرية «لناظم حكمت» هي ملحمة الشيخ بدر الدين. أضف إلى هذا مسرحية للهواة نشرتها سنة 1977م بعنوان «عبور القديس فرانشكو» بجانب مشاركتها في الحياة الأدبية في مدينتها، وشرف عضوية إحدى الأكاديميات العلمية التي لم أعد أذكرها! ودعتنا ذات ليلة إلى مسكنها للتعرف على أصدقائها وزملائها من أدباء الشباب. وأتيح لنا في هذه الليلة أن نلمس حب القلوب الشاعرة، ونسمع قصائد القلق والشوق، ونطلع على حكايات الشباب الفخور بحريته المطلقة، ونحس سعادته بها وإشفاقه منها، ونقرأ في النهاية قصتين لنا، ونلمح أثر الخشوع والتعاطف اللذين ارتسما على وجوه المتلقين وفي عيونهم. ثم شاءت الصدفة أن أسمع في الخريف الماضي بوجودها في القاهرة، ولم يتسع وقتي للقائها أكثر من مرتين مع بعض الأصدقاء من الأدباء والشعراء، وتكرمت بإهدائي ديوانها، الذي صدر أخيرا بعنوان «ذات ليلة، في الزمان» (لاحظت فرحة الكتاب الأول في لمعان عينيها الضيقتين الطيبتين) قرأت علينا بعض القصائد، وتولينا - صديقي الدكتور عوني عبد الرءوف وأنا - نقل معانيها للحاضرين نقلا يؤكد صدق العبارة المأثورة: «أيها المترجم، أيها الخائن!» وأحسست منذ ذلك الحين أن شوكة «الأميرة المينوية الصغيرة» (وهي القصيدة التي ستقرؤها بعد قليل) قد انغرست في قلبي، وأن حوار الدرويش والقطة في كوة حائط بيزنطي بإحدى المدن التركية التي لا أعرفها يلاحقني حتى باب مسكني، ويتسلل رغما عني إلى فراش نومي، قلبت صفحات الديوان قبل أن أنام، ولمس قلبي الإهداء الذي كتبته عليه، واقتبسته من أبيات للشاعر الصوفي «إنجيلوس سيلزيوس»: «عليك أن تصبح شمسا، أن ترسم بأشعتك بحر الألوهية الخالي من الألوان». ويبدو أنني في تلك اللحظة بدأت أتراجع عن قراري بالتوبة عن الخيانة المحتومة، أي عن ترجمة الشعر، فقد تسللت قوة خفية - في ليل صنعاء الطويل الهادئ - لتحرك يدي لنقل بعض قصائد هذه الشاعرة، وها هي الآن تدعوك لقراءتها، وها أنا ذا أمهد بمقدمة من تلك المقدمات التي يحس الإنسان دائما - تجاه أعمال الفن التي يجب أن نتركها تتحدث بنفسها - أنها ضرورية، وأنها في نفس الوقت سطحية ولا داعي لها. •••
نشأت معظم قصائد هذه المجموعة أثناء زيارة قامت بها الشاعرة في خريف سنة 1978م لجزيرة كريت. ويبدو أن وقوفها على أطلالها وحفائرها وآثارها قد حرك فيها مختلف المشاعر والأفكار التي حاولت أن تعبر عنها في صورة حية ملموسة للعين والوجدان. ومع أن معرفة التاريخ - أو بالأحرى ما قبل التاريخ - لا يلزم بالضرورة لتذوق الشعر - لأنه كما علمنا المعلم الأول يتجاوز التاريخ ويسمو عليه - فلا بد من كلمة سريعة عن «الجو» التاريخي الذي نمت براعم الشعر على أرضه، ولا بد من الإلمام ببعض الحقائق التي تقربنا من روحه، وتعرفنا ببعض الأماكن والأسماء الواردة فيه. وأهم هذه الأسماء هو اسم الملك الخرافي «مينوس» الذي حكم جزيرة كريت في عصر يبدو ألا وجود له إلا في ذاكرة الأساطير، فهي تروي عنه أنه ابن «زيوس» عظيم الآلهة من زوجته أوروبا، وأنه طرد شقيقه «ساربيدن» بمساعدة رب البحار «بوزيدون»، واستولى على عرش كريت، وامتد سلطانه من جزيرة كنوسوس إلى جزر البحر الإيجي، كما يؤكد المؤرخ الإغريقي «توكيد يديس» (441) أنه عمر هذه الجزر، وطهر البحر من القراصنة. وتذكر أوديسة هوميروس (النشيد التاسع عشر، البيتان 178-179) أنه أقر القوانين الحكيمة العادلة، وأن الناس هابوه لصداقته لزيوس نفسه. وتروي عنه الأساطير أيضا أنه تزوج سيفايا ابنة الشمس التي ولدت له أندروجيوس وأريادنه وفيدرا، وأن أرباب الأوليمب عاقبوه؛ لرفضه التضحية بثور معين، وأن زوجته وقعت في غرام هذا الثور، وأنجبت منه الوحش الخرافي «المينوتا توروس» (ثور مينوس)، الذي يعد من أشهر شخصيات الأساطير الإغريقية! وتزعم هذه الأساطير وبعض النصوص الدرامية الأثينية أن مينوس فرض على أهل أثينا بعد احتلالها تقديم أطفالهم طعاما للوحش، حتى خلصهم منه البطل «ثيسيوس» وحكاية أريادنة، والخيط الذي مدته لهذا البطل لكي لا يضل طريق الدخول والعودة من المتاهة التي هبط إليها لقتل الوحش أشهر من أن تذكر، وقد كانت ولا تزال موضوع الإبداع الفني والأدبي والمسرحي والأوبرالي. وأخيرا فقد جعلت منه الحكايات والخرافات أحد قضاة الأموات في العالم السفلي «هاديس». ولعل التاريخ الموغل في القدم لهذا الملك الأسطوري هو الذي دفع بعض المؤرخين على الربط بينه وبين الدين والطقوس برباط وثيق (كما فعل ديودوروس الصقلي في تاريخه 8745)، ولكن بعض الباحثين يرجحون على ضوء الحفريات التي تمت في كريت وزارتها الشاعرة التي تتحدث عنها أن مينوس كان مجرد اسم ملكي على حكام العصر البرونزي الذين تتابعوا على الجزيرة، وبذلك اختلفت الروايات المأثورة عنه، ولكنها تؤكد على كل حال أن كريت كانت فيما قبل التاريخ (أي حوالي سنة 2500 قبل الميلاد) قوة بحرية تهابها سائر بلاد الإغريق، والهيبة كما يعلم القارئ لا تخلو من الحسد والحقد! أما «كنوسوس» التي تذكرها القصائد التالية فقد كانت أهم مدن جزيرة كريت، وكان بها قصر الملك مينوس، أو مجموعة الملوك الذين حملوا اسمه. وقد ازدهرت المدينة سنة ألف قبل الميلاد، حتى دمرها الزلزال، فاحترقت وتخلت بعد ذلك بقرن من الزمان عن مجدها الحضاري لمدينة «ميكينة»، وقد كشفت حفريات كريت - التي بدأت في القرن الثامن عشر ولا تزال مستمرة حتى اليوم - أنها أقدم بؤرة للحضارة الأوروبية. ولعل زيارة هذه الشاعرة وإقبالها على معايشة آثارها أن تكون تعبيرا عن حنينها وحنين الأدب الغربي الحديث للعودة للمنبع والأصل، والبحث عن طريق الخلاص بعد أن وصل العقل الأوروبي إلى طريق مسدود، لا مخرج منه إلا بالمعجزة أو بالموت الشامل، ولهذا يكثر تنقيب الشعراء والفنانين والعلماء أيضا في أرض هذا العقل، والتفتيش في حفرياته وأعماقه عن الرموز الأصلية والعلامات المنسية، وأما هيركولانيوم التي يرد ذكرها كذلك في النص والتعليق، فهي مدينة رومانية قديمة في ولاية كامبانيا بإيطاليا، أحرقها بركان «فيزوف» الذي ثار سنة 79 بعد الميلاد، وأغرقها تحت حممه، كما طمس معها مدينتي يوستي وستابيا بالقرب من مدينة نابولي الحالية. وقد ربط التراث الإغريقي بينها وبين البطل الأشهر هرقل، وبدأت الحفريات في الكشف عنها منذ بداية القرن الثامن عشر عندما عثر أثناء حفر أحد الآبار على جدار تبين أنه جزء من مسرحها القديم، ثم عثر فيها على عدد هائل من التماثيل والنقوش والأثاث المنزلي والملابس ... إلخ، ووقع الباحثون في «فيلا البردي» على مجموعة ثمينة من التحف الفنية من البرونز والرخام وأوراق بردي يونانية تزخر بنصوص فلسفية مستوحاة من تراث المدرسة الأبيقورية. ولا تزال الحفائر مستمرة في هذه المدينة البائسة الحظ، كما أن النصوص التي تلقي الضوء على شخصية أبيقور ومدرسته لم تنشر كلها بعد، ولكن الحفائر قد كشفت على كل حال عن عدد كبير من معالمها كالسوق، والمعابد، والحمامات والملاعب الرياضية، والبوابات والتماثيل ولوحات الحائط ... إلخ، ولا بد أن الشاعرة التي رأت هذا كله رأي العين قد حاولت أن تبعث بضميرها وصوتها الشعري وراء هذه الآثار لعلها تستشف المعنى الخالد وراء حياة الإنسان وموته، وسر وجوده ومصيره، بل لعلها أن تكون قد ذهبت إلى أبعد من التاريخ البشري وما قبل التاريخ لتلمس أسرار الحزن الكوني. •••
تكشف القصائد التالية - على الرغم من عجز الترجمة وقصورها - عن بعض الخصائص المميزة لبنية الشعر الأوروبي الحديث، وهي البنية الغربية التي بدأت تتشكل على يد الشعراء الفرنسيين العظام - بودلير ورامبو ومالارميه - وما زالت تتشكل في صور أغرب عند الشعراء المعاصرين. وربما كانت أهم عناصر هذه البنية (مع الحذر من التعميم؛ إذ إن كل قصيدة بناء مستقل، مهما عكست مرآتها الصغيرة معالم البناء المشترك) هي بوجه عام التشكيل الذي يكشف عن جهد عقلي وإرادي مقصود، ولا يترك للإلهام وشطحات الوجدان سوى حيز ضئيل، التوتر والقلق اللذان يعكسان تفتت الواقع الحديث وتمزقه وانقسامه على نفسه، اعتماد القصيدة على الإيحاء لا على «التعبير» عن فكرة أو معنى محدد، وهي لهذا تشع في عقل كل قارئ ووجدانه بإشعاعات مختلفة، تغير وظيفة الاستعارة والتشبيه والرمز نتيجة التوسع إلى أقصى حد ممكن في استغلال طاقات اللغة والخيال والبعد عن مقاييس المعقول والمستساغ التي كانت من قواعد الشعر الكلاسيكي - غربية وشرقية - وكأن الشاعر الحديث يتعمد الإدهاش والإغراب إلى حد الصدمة، ويوغل في رحلة صيده للمذهل والمستحيل، الإيجاز والاقتصاد في التعبير إلى الحد الذي تصبح معه القصيدة مجموعة من الإشارات والإيماءات، ويوشك الشاعر أن يعبر بالصمت قبل الكلام، وينقل صور الأشياء مجردة من الأفعال والصفات بقدر الإمكان، التخلي عن النزعة الإنسانية - على حد تعبير الفيلسوف الإسباني أورتيجا إي جاسيت - أي إلجام خيول العاطفة وأمواج الوجدان، وصبها في «معادلات موضوعية» من عالم الأشياء وصور الموجودات المرئية والمحسوسة بدلا من الغرق في طوفان الذات وحميا الانفعالات التي أصابت شعر العاطفة الرومانتيكي عندهم وعندنا بأفدح الأضرار. البعد نتيجة لذلك عن سذاجة الانفعال إلى صرامة العقل، وبرودة التشكيل، فالإلهام أو الوحي - كما يقول بول فاليري - قد يسعدنا بالبيت الأول، أما بقية القصيدة، فتستلزم جهد الصنعة وتعب البناء، إعلان القطيعة مع التراث اللغوي والشعري التقليدي إلى حد التهكم عليه، والسخرية من «مقدساته»، وقيمه الجمالية رغبة في البدء من جديد، وإنكار وصاية الآباء، وإن كان هذا لا يمنع من كثرة اللجوء إلى «تضمين» النصوص القديمة المعروفة أو الاستعانة بمصطلحات العلم والطب - «غير الشعرية» في المفهوم البلاغي الكلاسيكي - إمعانا في الإغراب وهدما للحواجز الفاصلة بين «الواقعي» و«الجميل»، مما يكشف اليوم عن وجه الشاعر «العالم» أكثر من الشاعر «الموهوب»، الاعتماد على العين أكثر من القلب، وكأن الشاعر - إن جاز التعبير - يكتب بعينه أكثر مما يغمس ريشته في جراحه كما كان يزعم الشاعر القديم أو بعض شعرائنا حتى الآن، ونتيجة هذا أن تتألف القصيدة من أشياء متجاورة تتحدث بنفسها دون تعليق من الشاعر ولا ثرثرة، تلازم الشعر وفن الشعر، فالشاعر الحديث لا يكف عن تأمل عمليته الإبداعية والبحث عن «فن شعري» جديد وغزو آفاق جديدة تؤكد فرحته بالمغامرة والمخاطرة على سفن اللغة التي صار وحيدا معها، وصارت كنزه ومنجمه الوحيد، تصوير القبيح والمقزز وعدم الاكتفاء بتصوير الجميل والسار، كما كان يريد القدماء (كان الإغريق يفرضون عقوبة قد تصل إلى الموت على من يصور القبح خوفا من إفساد الأخلاق العامة)، بحيث تكون مع الزمن علم جمال القبح الذي يعكس بشاعة الواقع الحديث ويفضحه ويتمرد عليه، إلى آخر هذه العناصر التي شرحتها في موضع آخر. •••
إذا التفتنا الآن إلى هذه القصائد وجدناها تحمل بعض ملامح الجديد؛ لأن من الطبيعي أن تردد أنفاسها نفس الهواء الذي تعيش صاحبتها فيه، وأن تعكس ملامحها سمات التراث الثقافي الذي امتزج بدمها. فهي تضع الأشياء بجوار بعضها، كأنها عدسة آلة تصوير كتوم. ولن يغيب عليك أن الأفعال فيها قليلة، والصفات شحيحة، وأن الصور الساكنة لا تكاد تهتز أو تعكس حركة، وإنما توشك أن تكون تماثيل سوتها وصقلتها يد نحات - بالكلمات. وهي لا تعلق على الصور بشيء، فكلماتها نفسها تتحول إلى إشارات للأشياء، كما تقدم مفردات الطبيعة والوجود تاركة لك استخلاص معانيها وعلاقاتها. إن القصيدة توحي ولا تتكلم، تشير ولا تثرثر، تشع بإشعاعات تختلف باختلاف قرائها، بل واختلاف لحظات قراءتها، حمار مطرق، حقل زيتون، بيوت ونافذة وكوكب الزهرة، درويش وقطة داخل كوة في جدار بيزنطي، إناء فخار يدور دورة الحظ الأبدي - كما فعل قديما في يد صانع الفخار في كريت وطيبة، وبابل وسبأ وبلاد العرب والفرس - ويلهمها كما ألهم الشاعر الشعبي المجهول على مر العصور، فالحظ يتسرب منا في القرن العشرين كما تسرب من البشر في القرن العشرين قبل الميلاد إلى حضن الأرض الأم التي جئنا منها ونعود إليها نفس الحسرة، نفس الدورة، نفس العود الأبدي، ومن أدرى بها من شاعرة يحضر أمامها الزمن في لحظة الحاضر السرمدي، اللحظة التي يضم قوسها المتوتر تجربة ما قبل التاريخ وتجربة العصر الراهن في وقت واحد. فعين الشاعر ترى الأبدي، ومملكته هي اللامتناهي، ولكنه يستخرجهما - كالساحر القديم الذي يستدعي بتعاويذه قوى الأشياء، بل يطلق من كلماته نفسها قوى الفعل - من باطن الأشياء والكائنات العابرة المتناهية المتنوعة الألوان حواليه. وكأن كلماته وأنغامه وحدها قادرة على بعث الحقيقة الكامنة في الظواهر، واستحضار الخالد من داخل الغشاء الفاني، وما أشبه صوته بصوت المسيح، وهو يدعو لعازر للنهوض من بين الأموات.
لم تر الشاعرة إلا آثارا وحفريات وحطام مدن ومعابد وملاعب وأسواق، ولكن لا بد أن خيالها قد رد الحياة إليها، واستعاد تجربة البشر الذين كانوا ذات يوم يدبون فيها ويملئونها بضجيج أعمالهم وآمالهم وآلامهم وضحكاتهم ودموعهم. وليس قلبها وحده هو الذي يعيش هذه التجارب من جديد، فظل المعابد التي أصبحت فتاتا يفكر هو أيضا في حاله ويسأل: هل هذا القصر، وهو بيتي العامر، في الزمن الغابر؟ نفس الحكاية القديمة حلم الإنسان بالخلود، يضنينا اليوم كما أضنى أهل كريت قديما، لكن ها هو ذا يتمدد تحت الأرض، ماذا يتبقى إلا الأحجار؟ - أهي رؤية عدمية متشائمة؟ - سيكون هذا التساؤل تفسيرا نفرضه على النص. والنص نفسه ضنين وبلا طموح. يكفي أنه يثير في أنفسنا السؤال، أن تكون كلماته حجرا يلقى في نهر حياتنا اللاهية. يكفي أن يوقظنا لحظة من كابوس العبادة والتقليد والنسيان.
من الطبيعي أن تمد الشاعرة يدها - كما يفعل زميلها في الغرب والشرق - إلى كنز الحكايات والحواديت والأساطير، فقلبها الهرم بالحكمة لا يزال طفلا يعشق الحياة. يتجلى هذا في أجمل قصائدها عن الأميرة «المينوية» الصغيرة. إنها تسألها عن المكان الذي كانت تلعب فيه بين أكوام الحجارة، عن دميتها وكلبها الصغير، عن الحدوتة التي كانت تحكيها لها مربيتها كل مساء. وهي لا تكتفي بهذا، بل تدخل معها في حوار، وتؤكد لها أن الناس لا تزال تجوس في نفس الموضع الذي كان يضم فراش نومها، وفي عيونهم دموع تشبه دموعها. نفس المأساة، ونفس القدر - فالحاضنة القديمة كانت تحكي لها الحواديت اللطيفة عن الملوك والآلهة والأبطال الذين راحوا يغزون المستحيل. والحاضنة الجديدة تحكي الحدوتة المروعة عن زمن الكوبلت والأسمنت، عن آلهة العلم والمال وأبطال الصناعة والرعب الذين يحطمون أسرار الذرة، ويطلقون شياطين الطاقة، ويبنون شواهق المسلح المتطاولة على السماء - أولم يتغير شيء؟ أكل هذا «التقدم» عبث؟ ألا يزال الإنسان هو نفس الكائن الذي يخاف الموت ويصنعه في نفس الوقت؟ وهل كشف التقدم عن وجهه الجدلي المظلم للشاعر الأوروبي فلاذ بكهوف الماضي وطقوس الأجداد؟ وما السر وراء اليأس الكوني المر عند هذه الشاعرة وكثير من زملائها الأوروبيين؟ (في الكون فراغ، ومحال أن يملأه شيء) أهو السأم من عالم العقل والحساب والأنظمة والآلات والمحطات النووية وشعارات الحرب والسلام والثورة والمستقبل والعلم المغرور الذي أشعل وقود حربين عالميتين، وما يزال ينذر كل لحظة بالحريق الأكبر الذي يلتهم مدن البشر ويفحم مجد حضارتهم البراق؟ أم نفذت الشاعرة إلى الأسباب «الواقعية» - الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية - التي تؤجج ضراوة التنين الغربي، الذي يريد أن يبتلع العالم، ويستعد لغزو النظام الشمسي، ويؤكد كل يوم - حتى في تعاطفه وتعاونه المزعوم - إصراره على قهر الشعوب الفقيرة وحرمانها من حقها في الكرامة والحرية والحياة، وهو السبب الأول في قهرها وفقرها؟ يخيل إلي أن الشاعرة بعيدة عن هذا الرأي الأخير. ومع ذلك لا أستطيع أن أقطع بشيء. والمهم على كل حال أن ظاهرة العودة للماضي الكوني والبشري، والإهابة بالرموز والأساطير والطقوس القديمة ظاهرة مشتركة بين شعراء الغرب المعاصرين، وهي كذلك قاسم مشترك بين صفوة شعرائنا المجددين (لا بين المزيفين من أدعياء الشعر الجديد الذين ظنوها استعراض عضلات ثقافي وبراعة حواة مبتدئين!) أهو في النهاية فرار من وحدة الشاعر في عالم لم يعد فيه مكان للتواصل والحب والحوار والحقيقة الحية، أم سعي للوحدة والانسجام بين أشلاء القبح والتمزق التي يتعثر فيها كل يوم؟ أم أن الشاعر - وهو ضمير العصر المثقل بالذنب - تدفعه مسئوليته التقليدية عن خضرة الأرض والحياة وتحقيق الوحدة والجمال لأن يرفع صوته بالعودة للأصل والمنبع، ومحاولة البدء من جديد، وفضح الأقنعة المعقدة التي حجبنا بها وجه الواقع؟ أسئلة لا تغني شيئا. فكلمات الشاعر الحديث إيحاءات ونبوءات، وعليك وحدك أن تفض معانيها وتحسها كما تشاء! والمهم أن الشاعرة تلتمس الدفء والبراءة والحب وسط خرائب كريت، بعيدا عن خرائب أوروبا العجوز الواقعة في فك الحوت - حوت التقدم والشمول والصراع على غزو العالم - أي على دماره. •••
بقي أن أحدثك عن جانب من هذا الديوان لم أجد أنه يستحق النقل؛ لأنه في رأيي يعبر عن وجهة نظر لا يمكن أن نقبلها نحن العرب مهما اختلفت مشاربنا. ولا نستطيع أن نغفرها للشاعرة ولا لغيرها من المعاصرين لها مهما تسترت بثياب فلسفية أو إنسانية. ذلك هو موقفها من الثورة. فهي تدينها وتسخر منها في عدد كبير من قصائدها، وإن اتخذت هذا الموقف من برج عاجي يطل على مأساة الجنس البشري. إن في إمكاننا بغير شك أن نفهم الحزن الكوني الذي ينبعث من صوتها وأصوات عدد كبير من أبناء بلادها (مثل باول سيلان الذي انتحر منذ سنوات في نهر السين، وجنترآيش الذي مات قبل عدة أعوام، والشاعرة العظيمة أنجبورج باخمان التي ماتت هي الأخرى محترقة في فراشها، وكانت عبقرية حقة سطعت وخبت بسرعة خاطفة في سماء الشعر الألماني)،
2
لكن الذي لن نفهمه أو نقبله منها أو منهم هو سخطهم على الثورة بشكل مطلق، وإدانتهم للثوار، على نحو ما فعلت مع ثائر كبير غير وجه الأرض التي نعيش عليها، وهو ماو تسي تونج. ولا يقلل من هذا - كما كتبت إلي ردا على استفسارات وجهتها لها - أنها تؤمن باشتراكية روحية يعيش البشر في ظلها إخوة متحابين، وأنها تعتبر المادية وهما كبيرا. فنحن لا نستطيع أن نستغني عن الإيمان بالاشتراكية، وما زلنا مطالبين أمام شعوبنا ومشكلاتنا الضارية باشتراكية علمية وإنسانية نطبعها بخاتم شخصيتنا وقيمنا وتراثنا. ونحن في واقعنا العربي المتخلف أحوج ما نكون إلى الوعي الثوري، وشعراؤنا الذين سيكتب لهم البقاء ثوار حقيقيون. وإذا كانت الشاعرة الغربية قد يئست من رعب الثورات الحديثة، وإخفاقها في التطبيق، فإن الشاعر العربي لا يملك ترف اليأس من تخبط ثوراته الحديثة، ولا بد أن يرفع صوته لتقويمها وإبقاء جذوتها متأججة، والصمود على سفينتها مع البحارة الشجعان مهما تهددها الغرق أو داهمها القراصنة واللصوص، حتى تبلغ بر الحرية والديمقراطية والعدل. إنه يعلم أن الأتون الوحيد الذي يطهرنا من التخلف، ويخلصنا من الجمود، ويقوينا على تأكيد هويتنا، وتحدي أعدائنا في الداخل والخارج. ولذلك فهو يغنيها بوقود متجدد من أنفاسه وكلماته المحترقة. ولو تخلى عن مهمته لأصبح مضحكا في بلاط الأمير أو متسولا على باب الوزير والسلطان، وهو دور خلعه الشاعر العربي الجديد إلى الأبد، ورفض أن يرثه من تركة الآباء والأجداد. وإذا كانت الشاعرة الغربية تنفض يدها من عالمها الحاضر، وتفر إلى خرائب الماضي، فقد نلتمس لها بعض العذر، وقد يكون فرارها نفسه نوعا من الاحتجاج، ولكن هذا بالنسبة إلينا ترف لا نقدر عليه ، ونحن نواجه مشكلات تحتم علينا أن نقرر هل نوجد أو لا نوجد. وسيكون على كل من يحمل القلم في بلادنا أن يكون مع الثورية بلا تردد؛ لأنها هي الطريق الوحيد في معركة التحدي والبقاء.
ناپیژندل شوی مخ