شِعر خوارج
شعر الخوارج
خپرندوی
دار الثقافة
شمېره چاپونه
الثالثة
د چاپ کال
١٩٧٤ م
د خپرونکي ځای
بيروت - لبنان
مقدمة الطبعة الثانية
تتميز هذه المجموعة بإضافة قصائد كثيرة، عثرت عليها في ما اطلعت عليه من مصادر لم يتح لي أن أطلع عليها من قبل، كما أن ترتيب القصائد فيها قد أعيد على أساس زمني، وقسم في فئات جديدة بحسب ذلك الأساس نفسه، وذلك لأن اكثر شعر الخوارج الذي أثبتته المصادر المختلفة متصل بأحداث التاريخ بين معركة النهروان ومعركة قديد، فوضعه في هذه الصورة يسهل على القارئ فهمه في النطاق التاريخي، ويمكنه من أن يلمح تدرجه مع الزمن؛ كذلك فاني زودت هذه الطبعة بملاحظ تاريخية جديدة، ووضعت تخريج القصائد واختلاف الروايات، والتعريف بالأعلام في الحواشي، ولم أفرد لها مكانًا خاصًا بعد القصائد، كما فعلت في الطبعة الأولى، رغبة في وضع جميع المعلومات عن القصيدة الواحدة وعن صاحبها مجتمعة في حيز واحد أمام القارئ؛ وقد عنيت هنا أيضًا بشروح إضافية، كنت أعتقد في الطبعة الأولى أن القارئ في غنى عنها.
وأنا أحس بعد كل هذا الجهد بالوقف الضيق الذي يضع فيه جامع الشعر نفسه: إذ قد تفوته رغم الاستقصاء الكثير؟ أبيات ومقطعات وقصائد، لم يوفق إلى الاطلاع عليها في المظان التي اعتمدها؛ كما أن جامع الشعر ليس ناقدًا
1 / 1
ينفي ما يشك في صحته ويثبت ما يراه صحيحًا، وإنما هو أمين لما يجده في المصادر حتى وإن كانت تلك المصادر على خطأ.
ومهما يكن من شيء، فإني أرجو أن تكون هذه الطبعة أكثر فائدة من الأولى، وبالله التوفيق.
بيروت في آذار (مارس) ١٩٧٤ إحسان عباس
1 / 2
مقدمة الطبعة الأولى
منذ أن كتبت الدكتورة سهير القلماوي رسالتها في " أدب الخوارج " وتصدى الأستاذ أحمد الشايب للحديث عن أدبهم في كتابه " الشعر السياسي في العصر الأموي "، لم يكتب فيهم؟ من الزاوية الأدبية؟ شيء آخر ذو بال، ولم يلق شعرهم وأدبهم عناية مجددة. وربما كان ذلك عائدًا إلى أن الأمثلة التي تستمد منها الأحكام النقدية ظلت محدودة في كميتها، أو مبعثرة في مظانها، ولذلك رأيت أن أيسر للدراسين سبيل الاطلاع على الشعر الخارجي، بجمع ما عثرت عليه من ذلك الشعر في المصادر المخطوطة والمطبوعة، ونظمه في سلك واحد لعل ذلك يثير إلى نظرة جديدة، أو يحفز إلى دراسة مستكملة. ولقد اتصل أكثر هذا الشعر بالأحداث التاريخية؛ وهي أحداث متعددة متشعبة، لا يتسع لها مجال الجمع والتقييد لأنها تشغل صفحات كثيرة من تاريخ الطبري وأنساب الإشراف للبلاذري والكامل للمبرد والإعلام بالحروب الواقعة في صدر الإسلام للبياسي والعيون والحدائق لمؤلف مجهول ومصادر أخرى كثيرة، فإذا وجد القارئ أني انتزعت هذا الشعر من بيئته فعذري الذي أتقدم به هو أنني لا أؤرخ لحركات الخوارج ولا لفرقهم الدينية ولا لمجادلاتهم العقائدية وأحكامهم الفقيهة وإنما أقدم صورة من شعرهم؟ صورة لا تتجاوز أهم فترة في نشاطهم السياسي، وإنما
1 / 3
تمتد فحسب من النهروان والنخيلة حتى قبيل موقعة الزاب.
ولم يكن أكثر هؤلاء الشعراء " محترفين "؟ إن جاز لنا أن نستعمل هذه الكلمة؟ ولذلك لا نجد لهم دواوين شعرية، باستثناء اثنين هما عمران بن حطان والطرماح بن حكيم، وقد وصلنا ديوان الثاني منهما، ولم يصلنا من شعر الأول إلا القليل، وربما كان قطري بن الفجاءة مكثرًا من الشعر، بحيث يجيء شعره في ديوان، ولكنا لا نعلم أحدًا توفر على صنع ديوانه أو على روايته.
وعلى ما كانت تشهده العصور السالفة عن عصبية مذهبية وتطاحن عقائدي اهتم بعض الرواة برواية شعر الخوارج، ونال من تقديرهم نصيبًا، وهو وإن اهتم بعض الرواة برواية الخوارج، ونال من تقديرهم نصيبًا، وهو وإن يكن شعرًا جاء عفو الخاطر في أكثر الأحوال، فانه كان يتميز بالصدق والإخلاص كما يتميز بالقوة وتلك الصفات قربته إلى نفوس الرواة وحببته إلى قلوبهم. هو شعر يمثل صورة كبيرة لناحيتين تشغلان النظرية النقدية في جميع الأزمان وهما: التلازم الكامل؟ أو شبه الكامل؟ بين الفن والعقيدة، والتلازم بين الشعر ونقد الحياة. ومن هاتين الناحيتين يبدو لي أن جمع الشعر الخارجي في نطاق، يحمل في ذاته مكافأة على ما يبذل في سبيله من جهد؛ وفي هاتين الحقيقتين سر قوة الشعر الخارجي وضعفه في آن، ومن خلال هذه الصورة القائمة في نطاق محدد يستطيع الدارس أن يرى صفحة ذات سمات فارقة في تاريخ الشعر العربي.
بيروت في ٢٥ آب (اغسطس) ١٩٦٣ إحسان عباس
1 / 4
شعر الخوارج
هلال ناجي
في خواتيم عام ١٩٦٣ نشر الدكتور إحسان عباس الطبعة الأولى من كتابه " شعر الخوارج "، وكان صنيعه هذا جليل الفائدة، إذ وضع للمرة الأولى شعر الخوارج الثوري الزهدي مجموعًا في متناول الباحثين والدارسين، بعد أن بذلك جهدًا ضخمًا في تقريه في شتى المظان مخطوطة ومطبوعة، حتى استوى له هذا المجموع النفيس فصدره " بنظرة في شعر الخوارج ".
ولقد كان أدب الخوارج وشعرهم موضع عناية عدد من جلة الباحثين على رأسهم الدكتورة سهير القلماوي في كتابها " أدب الخوارج " وأفرد له باحثون آخرون فصولًا من كتبهم كالأستاذ أحمد الشايب في كتابه " الشعر السياسي في العصر الأموي ". وتناول الدكتور زكي المحاسني " شعر الحرب عند الخوارج " فعقد له فصلًا لشعر الخوارج وآخر لشعرائهم في كتابه " الفرق الإسلامية في الشعر الأموي " كذلك عقد الأستاذ عزمي الصالحي فصلًا صغيرًا لشعر الطرماح المذهبي والسياسي في كتابه " الطرماح بن حكيم الطائي ".
وفي أواخر عام ١٩٧٤ نشر الدكتور إحسان عباس طبعة ثانية من كتابة " شعر الخوارج " بعد أن أضاف إليه شعرًا كثيرًا من مصادر وقف عليها بعد صدور طبعته الأولى. كما إنه أعاد ترتيب القصائد على أساس زمني كذلك زود طبعته الثانية هذه بملاحظ تاريخية جديدة، ووضع تخريج القصائد واختلاف الروايات والتعريف بالأعلام في الحواشي، ولم يفرد لها مكانًا خاصًا كما فعل في الطبعة الأولى. وكان موفقًا في هذا التغيير. وبتواضع نبيل وبخلق العالم الجليل ختم مقدمة طبعته الثانية هذه بقوله: " وأنا أحس بعد كل هذا الجهد بالموقف الضيق الذي يضع فيه جامع الشعر نفسه، إذ قد تفوته؟ رغم الاستقصاء الكثير؟ أبيات ومقطعات وقصائد، لم يوفق إلى الإطلاع عليها في المظان التي اعتمدها ".
وقد رأيت خدمة لشعر الخوارج عامة ولكتاب " شعر الخوارج " خاصة، إن أقدم باقة من شعرهم لم أرها في الطبعة الثانية، عسى أن يكون في استدراكها ونشرها خدمة للباحثين والدارسين.
1 / 5
نظرة في شعر الخوارج
١ -؟ تمهيد:
هذا لوم من الشعر زهدي ثوري جامح، يكبر الإنسان الخارجي إكبارًا شديدًا، لأن كل إنسان ذهب في سبيل العقيدة يعد شهيدًا، فهو المثل الأعلى في نظر أصحابه بعد استشهاده، وهو الذي يستحق الرثاء والبكاء، مثلما أن الجماعة الخارجية هي العصبة المثالية التي تمثل الحق، فهي إذن تستحق المدح والثناء؛ ومن ثم كان موضوع هذا الشعر هو الإنسان؟ الإنسان الخارجي على وجه التحديد، والمحرك الداخلي فيه هو روح التقوى المتطرفة، فهو لذلك أدب قوي يزيد من قوته شدة التلازم بين المذهب الأدبي والحياة العملية، ويقترن فيه الصدقان: الصدق الفني والصدق الاجتماعي.
وقد ترك فيه موضوع الموت لونًا حزينًا ونغمة حزينة ولكنه لم يسلمه إلى يأس مطلق، لأن هذا الموت نفسه كان عند ذلك الشعر نوعًا من الأمل، إذ لم يعد الموت إلا دخول الجنة أو لقاء الأخوان والأحباب الأبرار الأتقياء الذين تقدموا على الطريق.
1 / 9
٢ -؟ الوحدات الثلاث في الشعر الخارجي:
ومن ثم سيطرت على هذا الشعر وحدات ثلاث: وحدة الغايات، ووحدة الخصائص، ووحدة التيارات النفسية:
أ) أما وحدة الغايات فتمثل النقطة التي تلقي عندها أحلام كل واحد من أولئك الشراة وهي الاستشهاد في سبيل الله، أو طلب الموت ويمثلها قول البهلول:
من كان يكره أن يلقى منيته ... فالموت أشهى إلى قلبي من العسل
فلا التقدم في الهيجاء يعجلني ... ولا الحذار ينجيني من الأجل ب) وأما وحدة الخصائص فهي مجموعة الصفات السامية التي يمكن أن تقال في كل خارجي صادق العقيدة، ولذلك تشابه هؤلاء في الصورة العامة الكبرى، وأصبح الشعر المقول في وصف الشاري لا يميز إلا باختلاف الأسماء لأنه لا فرق بين أبي بلال ومطر وصالح بن مسرح وداود بن النعمان والخطار، فكل واحد فيهم يمكن أن يقال فيه ما يقال في الآخرين؛ وهذه الخصائص تتمثل في كل فرد على حدة كما تتمثل في الجماعة:
متأهبون لكل صالحة ... ناهون من لاقوا عن المنكر
صمت إذا حضروا مجالسهم ... من غير ما عيّ بهم يزري
متأهون كأن جمر غضا ... للموت بين ضلوعهم يسري
لا ليلهم ليل فيلبسهم ... فيه غواشي النوم بالسكر
إلا كرى خلسًا وآونة ... حذر العقاب فهم على ذعر وتتمثل في النثر كما تتمثل في الشعر؛ يقول أو حمزة في خطبته: " شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة وأطلاح سهر، فنظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على
1 / 10
أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقًا إليها وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة خوفًا منها، كأن زفير جهنم بين أذنيه، موصول كلالهم بكلالهم، كلال الليل بكلال النهار، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم، واستقلوا ذلك في جنب الله ".
ويجدر بي أن أشير إلى أن هذه تتنازعها الفرق الإسلامية جميعًا لأنها " المثال " الذي يرمز إلى المؤمن؛ يقول الحسن البصري وهو يرسم صورة المؤمن عند أهل السنة: " إن المؤمن قوم ذلل، ذلت والله الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل وأنهم لأصحاء القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، وأن من لا يعتز بعز الله يقطع نفسه على الدنيا حسرات، هذا نهارهم فكيف ليلهم؛ خير ليل: صفوا أقدامهم وأجروا دموعهم على خدودهم يطلبون إلى الله؟ جل ثناؤه؟ في فكاك رقابهم ". ويقول شاعر المعتزلة مصورًا أصحاب واصل بن عطاء:
تراهم كأن الطير فوق رؤوسهم ... على عمة معروفة في المعاشر
وسيماهم معروفة في وجوهم ... وظاهر قول قي مثال الضمائر
وفي قص هداب واحفاء شارب ... وكور على شيب يضيء لناظر ويقول الشاعر في وصف العلويين:
نهاركم مكابدة وصوم ... وليلتكم صلاة واقتراء
1 / 11
وليتم بالقرآن وبالتزكي ... فأسرع فيكم ذاك البلاء وهذه الأمثلة تدل على مدى المشاركة بين مختلف الفئات الإسلامية في تصورها للغاية المثالية في حياة الإنسان، وفي هذه الصفات خصائص زهدية قوية، وهي تمثل صفات " الحاكم الزاهد " المثالي، الذي يستطيع أن يحقق الخير ويصون الحقوق ويرعى الأمانات ويقيم العدل، وإذا كان الرسول في الماضي حقيقة سادت العصر الأموي، أو عصر الثورة الخارجية.
ج؟) وأما وحدة التيارات النفسية فتتمثل في الاتفاق على معاني التلوم النفسي عند أدنى شعور بالتقصير في جانب الوحدتين السابقتين: وحدة الغاية ووحدة الخصائص؛ يقول الشاعر الخارجي:
ولقد مضوا وأنا الحبيب إليهم ... وهم لدى أحبة أبرار
قدر يخلفني ويمضيهم به ... يا لهف كيف يفوتني المقدار ويقول شاعر آخر:
إخوان صدق أرجيهم وأخذلهم ... أشكو إلى الله خلاني لأنصاري وإذا كانت هذه الوحدات قد تركت طابعًا من الصدق العميق في الشعر الخارجي فإنها أيضًا عملت على خلق التشابه والتكرار فيه، وكان ضيق النطاق الذي فرضه الزهد على الشاعر يزيد من ذلك التكرار والتشابه، فإذا أراد الشاعر الخارجي؟ وهو زاهد في الدنيا ليس له من هم سوى الجهاد في سبيل معتقده؟ أن يتحدث عما يحتاجه من دنياه، لم يتذكر سوى آلة الحرب التي تمكنه من القيام بواجبه، وفي هذا يستوي حال الشعراء المجاهدين، ولهذا كان ما يقوله عطية بن سمر الليثي:
1 / 12
وحسبي من الدنيا دلاص حصينة ... ومغفرها يومًا وصدر قناة
وأجرد محبوك السراة مقلص ... شديد أعاليه وعشر شراة مشابهًا لما يقوله عمرو القنا:
فحسبي من الدنيا دلاص حصينة ... وأجرد خوار العنان نجيب
معي كل أواه برى الصوم جسمه ... ففي الجسم منه نهكة وشحوب وليس بين ما يريده الشاعران من آلة هذه الدنيا فرق إلا في التفصيلات الجزئية، ويكاد التعبيران عن هذه الحاجة يتفقان في طبيعة الصياغة.
ولدى كل شاعر خارجي متأثر صورة واحدة لهذه الحياة الدنيا الفانية، فهو يريد أن يبيع الذي يفنى بما يبقى، وهم في هذه النظرة مشتركون، وليس في التعبير عنها أي تفاوت كبير، يقول أحدهم:
حتى أبيع الذي يفنى بآخرة ... تبقى على دين مرداس وطواف ويقول أبو بلال نفسه:
إني وزنت الذي يبقى بعاجلة ... تفنى وشيكا فلا والله ما اتزنا ويقول الرهين المرادي:
إني لبائع ما يفنى لباقية ... إن لم يعقني رجاء العيش تربيصا وهكذا نجد أننا لو رصدنا أكثر الحاجات التي يعبر عنها هذا الشعر لوجدناها محدودة مشتركة بين شعراء الخوارج، وهذا هو ما يجعل التكرار سمة بارزة في ذلك الشعر. على أن هذا التكرار لا ينقص من درجة الصدق والإخلاص في هذا الشعر، لأنه ليس تكرارا بالتقليد، أو استدعاء لنموذج شعري غالب.
٣ - الصراع مع الزمن وضروب الخذلان:
إذن تتمثل الروح الدينية في هذا الشعر، في الحماسة للعقيدة، ولكنها تتجلى أيضًا في السعي لتقصير المسافة بين الله والإنسان، وهذا ما يظهر في تلك الأشعار
1 / 13