سعد زغلول مشر د انقلاب
سعد زغلول زعيم الثورة
ژانرونه
ولا حاجة إلى القول بأن سعدا لم يكن يطمع من المفاوضات في الوصول إلى كل ما جاء في الكتاب الأبيض من المطالب، وهو نزول الإنجليز دفعة واحدة عن كل دعوى يدعونها وتهاونهم في كل مصلحة يرومونها، ولكنه كان مسئولا أن يقر الأمور في نصابها ويضع القضية المصرية في موضعها. وليس في استطاعته أن يأمل النجاح من مفاوضة يكون الأساس فيها أن مصر هي المطالبة وإنجلترا هي صاحبة الحق في المنع والإعطاء، وإنما الأساس الصالح للمفاوضة أن مصر هي صاحبة الحق في بلادها، وأنها إذا قبلت أن تراعي بعض المصالح البريطانية، فذلك من حسن نيتها ورغبتها في السلام والصداقة. وقد سأل مستر مكدونالد سعدا في بداءة المفاوضة: ماذا تطلبون؟ فكان الجواب الطبيعي أننا لا نطلب من إنجلترا سخاء ولا مبرة، وإنما شأن البلاد المستقلة أن تكون على الصفة التي تقدمت في الكتاب الأبيض؛ لا إملاء ولا سيطرة على الحكومة في سياستها الداخلية والخارجية، وكل ما نقص من ذلك فهو عطاء من مصر، ودليل على الهوادة والرغبة في الوفاق.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى يعلم سعد أن الإنجليز لم يخلوا بينه وبين الوزارة ليمكنوا له في الحكم ويثبتوا مركزه من الزعامة، ولكنهم أخلوا بينه وبين الوزارة عسى أن تكبحه أعباء الحكم ومطامعه وتكف من غيرته وشنآنه، فيسمعوا من سعد الحاكم غير ما سمعوا من سعد الزعيم، ولا يلبث المصريون أن يروا زعيمهم على حال غير الذي عهدوه وضعف غير الذي توقعوه؛ فيقال لهم إن الزعامة الوطنية ليست إلا جعجعة في الخلاء يلغط بها غير المسئولين طمعا في المناصب ومنافسة على المآرب، ثم يصبح الزعماء وغير الزعماء سواء فيما يقبلون ويرفضون، وفيما يعملون ويقولون، ويذهب عناء الأمم وجهادها مع الريح!
وعلى كون هذه النية واضحة من سوابق الإنجليز مع سعد وازدادت وضوحا في أيام الحكم وبعد تلك الأيام؛ لم يقتصر الأمر فيها على الظن والاستقرار، بل فاه بها اللورد اللنبي فعلا في السودان بعد قيام الوزارة السعدية؛ حيث راح يقول لمن يلقاه من رؤساء الإنجليز الناقمين على تلك الوزارة: «لقد وضعت زغلولا في قفص! وسنرى كيف يخرج منه أو يبقى فيه.»
ولعله كان يقول ذلك ليحفظ مهابته ويدخل في روع مرءوسيه أنه لم ينهزم، ولم يكن رجوع زغلول إلى مصر ثم إلى الوزارة على كره منه وبغير تدبير مقصود على حسب رأيه، ولكنه لم يقل في الحقيقة غير ما ينويه، وينويه معه رجال دوننج ستريت.
ولا شك أن مستر مكدونالد كان يود - بل كان يتمنى - أن ينجح في حل القضية المصرية وإبرام الاتفاق بصددها مع سعد زغلول، إلا أنه كان يود ذلك لنجاحه هو في توطيد وزارته المتداعية وإرضاء المحافظين والأحرار عن بقائه، والحل الذي يرضي المحافظين عن وزارة عمال متداعية يريدون إسقاطها لن يكون نجاحا لسعد ولا نجاحا للقضية المصرية.
ولقد دلت الطوالع من أحاديث مكدونالد وتصريحاته على العواقب التي يرجى أو يخشى أن تؤدي إليها، فإن مكدونالد كان يعلم أن سعدا لا يقر تصريح 28 فبراير، وأن هذا التصريح لم يتيسر إعلانه في مصر إلا بعد أن يمهد بنفيه إلى سيشل، وأنه إذا جرت مفاوضات مع سعد فليس بالمعقول أن يقبل دخولها على أساس هذا التصريح، ومع هذا كان مكدونالد لا يفتأ يعلن مرة بعد مرة أن التصريح هو أساس ما يدعو إليه من مفاوضات، وأن السياسة البريطانية لا تتحول في هذا الموضوع، ولو أنه قال إن المفاوضات حرة من كل قيد لما اعتبر ذلك نزولا من الحكومة البريطانية عن تصريحها، ولكنه كان ييسر للزعيم المصري دخول المفاوضات على ذلك الأساس. فكأنما كان المقصود هو اضطرار سعد عاجلا إلى الاعتراف بما لم يكن يعترف به قبل الوزارة وهو يقدم على مفاوضات لا يضمن فيها النجاح، وقد يكون كل ما يصيبه منها أن ينقض موقفه بيديه وأن يقيم الحجة عليه لخصومه، وأن يسجل على نفسه التقلب من أجل المناصب الحكومية من النقيض إلى النقيض.
وما جاءت هذه المفاوضات إلا بعد مطاولة في المواعيد وتقاذف بالخطب والتصريحات وحوادث مدبرة في مصر والسودان، وعزي في أثناء ذلك إلى مستر مكدونالد حديث جاء فيه أنه «حدثت في الوقت نفسه حوادث يؤسف لها في السودان، تقع المسئولية في حدوثها على الحكومة المصرية بلا جدال. وإني معتقد تمام الاعتقاد أن القلاقل الحديثة دبرها بعض أعضاء الحكومة المصرية، وأن دولة زغلول باشا غض الطرف عن أعمال المتطرفين».
ثم انتهى الحديث بوعيد جاء فيه أنه «لا يمكن بحال ما أن يكون هناك محل للكلام في جلاء الجنود البريطانية عن مصر، أو إبعاد القوات البريطانية عن منطقة القناة وفي استطاعتي أن أقول إننا أعددنا العدة التامة لجميع الطوارئ»، فأغضى سعد عن هذا الوعيد، واكتفى بأن صرح في حديث مع مراسل الديلي إكسبرس بأنه أخذ تذكرة العودة إلى مصر في يوم 17 سبتمبر - وكان يومئذ في باريس - ثم قال إنه ظل ينتظر أن تعين الحكومة البريطانية الزمان والمكان للاجتماع، ولكنه لا يرغب أن ينتظر أكثر من ذلك الآن وبعد أن صرح مستر مكدونالد بأن مواعيده المقبلة لا تسمح له بترتيب موعد قريب للمقابلة.
فكان لهذا التصريح أثره، وكذب مستر مكدونالد الحديث المعزو إليه قائلا إنه دهش أشد الدهش لسماع ما عزي إليه ... ووصف أقوال المراسل بأنها مناورة خبيثة مما يسمونه صحافة!
وكتب مستر مكدونالد إلى سعد قائلا إنه يرغب رغبة شديدة في الاشتراك في إعادة حسن التفاهم في العلاقات بين البلدين، وإنه يكون مسرورا لمقابلته بلندن في أواخر هذا الشهر.
ناپیژندل شوی مخ