وهرم «ميدوم» مصاطب تهدم أعلاها، إضافة إلى أنه أقرب إلى التكعيب، وكان للعوامل الجوية وللتعرية أثرها في تآكل الطبقة الملساء من صفائح الجير الأبيض التي تشكل كسوة للأحجار، وقد حدث التآكل على شكل شريط عند الثلث الأعلى من الهرم، فبدا لعيون د. كريم شبيها بالشريط الذي يحيط بالثلث الأعلى من الكعبة، وهو عمل فني حديث جدا قام به المصريون المحدثون المسلمون، عندما كانت مصر ترسل للكعبة كسوتها، وكان الغرض من هذا الشريط غرضا جماليا فنيا بحتا، كتبت عليه آيات من القرآن الكريم ليس أكثر، ولم يكن أصيلا في بناء الكعبة ذاتها. ومن هنا قام د. كريم بمجازفته الهائلة ليقول: إن الكعبة أنشأها أهل منف المهاجرون في الحجاز على غرار كعبتهم المنفية «هرم ميدوم» الذي ليس أصلا في منف، إنما في الواسطى، ولا هو بكعبة، إنما مثوى لجسد الملك «والمصادفة الطريفة هنا أني من مواطني مدينة الواسطى أصلا، وجلا لي أن أزور غرفة المدفن الملكي مجددا، عند معالجة الموضوع، وكتبت هذا الجزء وأنا جالس في استراحة هرم ميدوم أطالعه عن كثب، أقلب أمره وأتساءل: هل ظلمه د. كريم أم أنصفه؟ لكني على أية حال لم أجازف بقراءة الفاتحة على روح الملك.»
رمسيس يؤمن أخيرا
وطوال موضوعه يقدم د. كريم الفكرة الجميلة، ثم لا يلقيها في صيغة الاحتمال أو الظن، إنما يؤكدها! وحتى يكسب لها ثقة القارئ، يقدم لها الدعم من نصوص آثارية، لكنه للأسف يتدخل في النصوص، ويردف بها ما ليس فيها، ويقولها ما لم تقل؛ ليكتسب لرأيه ثقة القارئ المسلم، وهو ما فعله مع الحكيم «آيبوور»؛ ذلك الحكيم المصري العظيم، الذي بلغت حكمته وشهرته حدا دفع «برستد» إلى وصفه بالنبي،
11
وهو إذ يختار رجلا محل ثقة واحترام مثل «آيبوور»، يقول: «ويضيف آيبوور كيف هرب أهل منف إلى الصحراء الشرقية وجنوب الوادي.» ثم يردف مستمرا كما أن الحديث لم يزل لآيبوور: «وعبروا البحر إلى الجزيرة العربية، حيث أطلق عليهم هناك اسم بني مناف أو منف»! وهكذا رغم جمال فكرته واحتمال صدقها، يدمر الأمر كله بنسبة كلام للرجل الحكيم، هو منه بريء.
وحتى يزيدنا السيد الدكتور تحسرا على جمال أفكاره، وإمكان إثبات صدقها بالأسلوب العلمي، يضيف من عندياته القول: إن فرعون موسى المعروف بأنه رمسيس الثاني (وبالمناسبة هذا فرض مررته الكتابات الصهيونية ولم يتأكد صدقه العلمي)، كانت له زوجة مؤمنة موحدة، فأرسلت مع قائد الجيش المصري الذي كان بدوره مؤمنا موحدا، كسوة إلى الكعبة، صنعت خصيصا لهذا الغرض، وقد حدث هذا الأمر سرا بالطبع؛ لأن زوجها رمسيس الثاني كان كافرا أثيما، (ولا يغيب عن القارئ أنه هو الفرعون الذي ترك لمصر أهم الأعمال المعمارية والفنية العظيمة، وصاحب غزوات وفتوحات تحسب لمصر كلها)، وهكذا يكون المصريون قد بدءوا صناعة كسوة الكعبة وإرسال المحمل للحجاز من ألوف السنين، ولا مانع أن نتخيل هنا «ليلى مراد» تلبس تاج القطرين، وتغني على صوت الدفوف وهي تودع قائد الجند: «يا رايحين للنبي الغالي، هنيا لكم وعقبالي.» وندخل مع د. كريم إلى تمثيلية رمضانية، يتسلط فيها فرعون الجبار، وتلتقي فيها الزوجة الملكية سرا بأخيها في الإيمان، قائد الجند المغوار، ويتعاهدان عند أستار الكعبة في حب الله، وحتى تأتي النهاية السعيدة، فإن حبكة الدكتور كريم الدراماتيكية استلزمت أن يخالف حتى النص الديني، ويؤكد أن رمسيس الجبار قد أكرمه الله بالإيمان بعد أن رأى معجزة فلق البحر بالعصا، فنجا من الغرق والحمد لله.
ثم وفي نهاية موضوعه، يقول بذكاء أريب: «... وبعد، فهذه مجرد آراء تاريخية قد يصح بعضها، ويخطئ بعضها، ولكن في قراءتها فائدة.» وبذلك يعتذر مقدما لمن يكتشف أمرا؛ فيؤكد أنها «مجرد آراء»، والرأي يحتمل الصواب والخطأ، لكنه ينثني للقارئ العادي المستسلم ليكمل عملية الحقن قائلا: إنها مجرد آراء، ولكنها «تاريخية»، حتى يثبت الأمر عنده، ثم يصيب هدفا ثالثا «سيرا على سنة الثلاث ورقات» فيحقق لنفسه أهم صفات العالم وهي التواضع، متصورا ذلك يعفيه من المآخذ.
ولوجه الحق فلا شيء خاص بيننا وبين الرجل إلا الحرص على القارئ الذي يتلقى المعلومة بحسن نية وثقة في الكاتب، والحرص على سيادة المنهج العلمي وشروط البحث العلمي دون الأشخاص، خاصة في ظروفنا الحالية، ومحاسبة من يتخطاه حتى ولو كان الغرض نبيلا وجميلا، فالغاية لا يمكن أن تبرر الوسيلة، خاصة في مجال البحث العلمي. ونحن أشد ما نكون حاجة إلى الصدق العلمي، فإن ذهب بدوره، فكل إذن إلى ضياع.
ومرة أخرى أكرر للسيد الدكتور أنه ليس من الضروري أن يكون التوحيد هو المجد الذي يجب أن تكون مصر قد اكتشفته، فمجد مصر لا ينكره إلا حاقد أو متجاهل أو كلاهما، وهو إنكار لا يشكل أية قيمة؛ لأننا نعلمه اعترافا بدواخلهم، وعجزا في طوايا ضمائرهم، وقصورا في هممهم، وشللا قعيدا في تاريخهم، هذا إن كان لهم تاريخ.
عفاريت التراث، وتراث العفاريت1
ناپیژندل شوی مخ