لكن الأعجب من كل هذا هو الإصرار على أن «أخناتون» كان موحدا توحيدا مطلقا، وهو أمر يثير الشك، فمن يذهبون هذا المذهب، من أصحاب الرأي الذين تابعهم د. كريم؛ لأن التدقيق في منمنمات هذه العقيدة وفسيفسائها، يكشف أن كل أشعار أخناتون وأناشيده، تشير إلى اعتقاده الجازم أنه هو شخصيا ابن الإله «آتون»، وأن فيه قد حلت قدرات هذا الإله وبركاته،
5
كما أن هناك شواهد قاطعة على تقديس الثور المنفي في مدينة أخناتون، التي أطلق عليها اسم «أخت آتون».
6
أما الشك فمدعاته عندنا هو أن أخناتون قد تربى في طفولته خارج بلاده مصر عند أخواله الساميين في بلاد ميتاني
7 (كانت أمه سامية، ترجم اسمها عن المصرية تاي، ونرى صدق الترجمة ضي أو ضياء)، وأنه عاد إلى مصر عند موت أبيه ليتولى الحكم. ومن هنا كانت جنسيته مصرية، أما ثقافته فسامية. ويبدو أن ذلك هو الدافع الخفي الذي دفع الباحثين للتغاضي عن عبادة الثور في أخت آتون وتأليه أخناتون لنفسه، وإغفالهم المتعمد لذلك، بحسبانهم الساميين أصحاب الاكتشاف التوحيدي، بينما كل ما فعله «أخناتون» في رأينا هو محاولته تسييد إله سامي غريب على مصر، اعتاد عبادته في ميتاني هو المعروف باسم «أدونيس»،
8
أو باللسان المصري الأرق «أتونيس»، وأصله «آدون» أو «آتون».
ويبدو أن المصريين قد رأوا في ذلك خيانة لآلهة البلاد الوطنية التي عادة ما كانت ترتبط بمعنى المواطنة وبالوطن ذاته، ومن ثم كانت عبادة آتون خيانة عظمى، استوجبت الثورة على البدعة الوافدة، التي لم تكن ثورة من وثنيين مصريين متخلفين، على ديانة راقية بدوية سامية موحدة، كما حاولوا تصوير الأمر، واستحق أخناتون بعد ذلك أن يلقبه مواطنوه «مجرم أخت آتون»، أما تلاميذ المدارس فقد ظلوا زمانا يتدربون على كتابة مواضيع إنشاء عن «الخائن من أخت آتون».
9
ناپیژندل شوی مخ