114

رب الزمان

رب الزمان: الكتاب وملف القضية

ژانرونه

تعني كلمة «آن» السماء المنظورة ذاتها في بدء الأمر، وكانت السماء في رؤيتهم سقفا محفوظا يعلوهم، ثم تحولت بالتدريج إلى علم ورمز على الألوهية عموما، فعادلت الكلمة «آن» - بمعنى من المعاني - لفظا جلاليا أو اسما للجلالة، تدل على ألوهية أي مسمى إلهي، كما حملت الكلمة «آن» معنى السيادة والرفعة، باعتبار هذا الإله هو سيد الآلهة جميعا.

ويقول آثاري السومريات المعروف «صموئيل كريمر»: إن الأسباب التي أدت إلى سيادة «آن» على مجموعة الآلهة السومرية، لم تزل وفصولها أسبابا غير معروفة، لكننا يمكن أن نتصور وببساطة، أن رؤية السومري للسماء بفسحتها واتساعها، وتعدد الألوان والأجرام والظواهر فيها، مع ضخامة هذه الظواهر، وجسامتها هذه، روحا تحيط الأرض، وتغطيها لها من جميع الجوانب، كل ذلك كان كفيلا بإجلالها، بما يلائم عظمتها، مقابل ضيق المساحات المرئية أمامه بشكل مباشر على الأرض، التي مهما بلغت مظاهرها هولا وغرابة، فإنها لا ترقى أبدا إلى درجة الظواهر السماوية، مع الأخذ بالحسبان، عدم التماس المباشر بينه وبين السماء، مما جعلها مجهولا دائما، يقع في نفسه موقع الجليل بما له من رهبة ورغبة وتقديس، فكان أن تصور السماء أعظم الآلهة طرا، وأبا أولا دائم الاقتدار، بتواصل وديمومة يخصب الأم الكبرى الأرض، وهو يحتضنها باستمرار، ليلقي ماء الحياة فيها.

واستطاع العرب أو الساميون أن يشيدوا بلاد الرافدين بعد أن أصبحوا سادة البلاد، وأسسوا هناك دولا كبرى نتذكرها عندما نتذكر «الأكاديين، والبابليين، والآشوريين، والكلدانيين». إن الإله «آن» لم يقم بإبداع الوجود دفعة واحدة فيكون قد فعل فعلا واحدا شاملا وانتهى الأمر، إنما كان إبداعه زواجا مستمرا من الأم الأرض، عن طريق مطره الدائم ورعايته من عليائه باستمرار لأولاده من الكائنات الأرضية «إنسان ونبات وحيوان وكيانات أخرى»؛ وبذلك كان فعله مستمرا، وعليه فهو لم يفعل مرة واحدة إنما يفعل باستمرار، وربما هذا الفعل هو فعل «آن» الدائم، فهو «فعل + آن» أو «فعلان»، تلك التفعيلة التي دخلت كل اللغات السامية لتدل على الفعل المستمر والحضور في جميع الأزمنة، فهو فعل بدأ في الماضي، لكنه مستمر الحضور والعمل، وباعتبار «آن» أقدم الآلهة طرا، فقد اكتسب صفة الأزلية، ولأن السماء منفصلة عن الوقائع الأرضية، التي تتعرض للدمار والفساد باستمرار، فقد بات واضحا لعيني السومري أن الإله «آن» دائم الحضور دون فساد أو فناء، ومن هنا اكتسب صفة الأبدية، ومن ثم تحول إلى مفهوم، فأصبح هو الديمومة أو الزمان.

ولو توقفنا مع العربية، كفرع من اللغات السامية، وحللنا كلمة «الزمان»، سنكتشف عددا لا بأس به من الكشوف، وأول ما سنلاحظه في كلمة الزمان أنها على وزن التفعيلة «فعلان»، كما أنها تشير إلى جزئيات الزمن المتراصة المتلاحقة المتلاصقة في كلمة «زمان»، وأعني أن الزمان هو مجموعة من اللحظات أو من الآنات «آن وآن هكذا ...»، أي مجموعة من اللحظات الحالية أو الراهنة أو الآنية «الآن»، مضت منها «آنات»، ونحضر منها الآن «آنات»، ومنها آنات لم تأت بعد، فالزمان هو مجموع آنات الوجود، وبضم هذه الآنات إلى بعضها البعض، أو لمها، أو جمعها، أو زمها تصبح هي «زم الآنات» أو «زم آن» أو «زمان» أو «الزمان»، الذي كان قديما هو الإله «آن» رب السموات. «آن» رب المكان

ونعود مرة أخرى للساميين، فنجدهم يستبعدون الكلمة السومرية «إي

E » ويستبدلونها بمقابل السامي «بيت

Bit »، و«بيت» بالتحديد تعني معناها في عربيتنا «البيت»، لكنه كان يطلق فقط على المعابد فاختص بالكلمة «بيت» بيوت الآلهة، أما باقي الأمكنة على الأرض ، فحظيت باسم آخر، تأخذه من فرع آخر باللغات السامية، أقصد الكنعانية، التي أطلقت على بيوت آلهة أدنى قليلا من «آن»، هي الكلمة «بك»، وهي موجودة كمثال في اللفظة الكنعانية «بعلبك»، وهي معبد قديم للإله «بعل» لم يزل قائما للآن في لبنان، والإله بعل يعني «السيد» أو «الرب»، وهو رب الأمطار والخضرة، ورب الطبيعة المروية بفعله هو، وليس بمساعدة إنسانية «بالساقية أو الشادوف»، وظل «بعل» حيا في لغتنا حتى الآن ويحمل المعنى نفسه. وبعل المرأة سيدها وزوجها ورب بيتها، كما لم يزل حيا في أذواقنا، حين نفضل أكل النبات المروي طبيعيا، النبات البعلي «الفول البعلي مثلا»، ونفضله على «الفول المسقاوي» الذي يدخل في سقايته الفعل البشري.

ولما كان الإنسان القديم، يشكل في التاريخ مرحلة الطفولة البشرية، فإنه كثيرا ما كان لسانه يلكن لكنة أطفال اليوم، وكثيرا ما خلط بين الباء والميم، وهكذا لم يكن هناك بأس من أن يصبح بيت الإله «مك» بدلا من «بك»، فجاز نطق المعبد المذكور: بعلبك، ومعلبك، ومعلمك! ومن هنا استساغ «جورجي زيدان» في مبحث لغوي، أن يستنتج أن كلمة مكة من «مك»، وتعني بيت الله في اللسان القديم، وقد نؤيده إلى حد ما، باعتبار ما نعلمه عن أقرب اللغات السامية إلى الفرع الشمالي العدناني، هو اللسان الكنعاني، صاحب الكلمة «بك»، مع أخذنا بالحسبان ما جاء في القرآن الكريم عن مكة أنها أيضا بكة، في قوله تعالي:

إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا .

ولما كانت الكلمة: إي، أو بيت، أو بك، أو مك، تعني بالتحديد والدقة مقرا، أو محتوى، أو مسكنا، أو ملكا (من الامتلاك)، فهمنا من ذلك أن أي مكان أرضي هو ملك للإله المحلى له، لكن على المستوى الأعظم الذي يليق بجلال أعظم الآلهة وسيد الكون «آن»، فإن كل البيوت أو الأمكنة هي بيت وملك ومحل لسكنى الإله الذي تحيط بسمواته كل الأمكنة، «آن» سيد الآلهة، وعليه فالكلمة «مك» إنما هي التي أصبحت بعد ذلك تفصيلا «ملكا»، بإضافة اللام في العربية الشمالية، وأصبحت جميع الأماكن هي ملكا للإله «آن»، فالأرض له ومن عليها، وجميع ال «مك» للإله «آن» أو ملك «آن»، فالمكان إذن أيضا كله ل «آن» وملكه الدائم.

ناپیژندل شوی مخ