قال: لا بد أن يكون هو رياض عطا الذي تعنيه.
قلت: حدثني عنه ما استطعت.
قال، وكان قوله التقاء أسماعنا، حتى لقد مالت رءوسنا الثلاثة في وضع يجعل منها مجموعة تصلح لرسم لوحة يطلق عليها اسم «الرواية»؛ قال: روى لي صديق كان مدرسا بمدرسة أجا الابتدائية، قال: جاءنا مدرس جديد للغة الإنجليزية فلفت إليه الأنظار فور مجيئه، ولم تكن الأنظار لتلتفت إليه بكل قوتها كما فعلت لو كانت كل غرابته محصورة في تشويه ظهره بالقتب الذي يقوسه بعض الشيء، ولكن ما وجه إليه انتباهنا وانتباه الناس جميعا، هو مسلكه في حياته الخاصة، الذي جعل منه إنسانا متميزا متفردا؛ فقد كان يلبس منظارا ذا عدسة واحدة يضعها على عينه اليسرى، بغير إطار يحيط بها، وفي العدسة خيط أسود يمتد حتى يدور حول عنقه، وهي طريقة لم يكن أحد منا قد ألفها فيما شاهد فوق أعين الناس من مناظير، وقد حسبنا أول الأمر أن عينه اليمنى قد تحررت من المنظار لقوة إبصارها، لكننا عرفنا فيما بعد أنها عين لا رجاء فيها لأنها لا تبصر، فآثر صاحبنا أن يقصر منظاره على العين الواحدة التي ترى، فلم يكن عجيبا أن أسماه بعضنا بأبي نظارة، على الرغم من أن كثيرين غيره كانوا ممن يستخدمون المناظير.
سكن دارا وحده، وكانت العادة بيننا أن يشترك أكثر من واحد في دار، ولبث أشهرا طويلة لا نكاد نسمع صوته محدثا إلا وهو يلقي دروسه على التلاميذ، وهي دروس كان ينطق فيها كلمات اللغة الإنجليزية وجملها بلسان غير عربي يحاول به أن يقلد أصحاب اللغة التي يعلمها، فزاد هذا في غرابته، كأنما غرابته هذه كانت تتبدى إذا أخطأ السلوك وإذا أصاب؛ لأنه في كلتا الحالين كان ينحرف عن المألوف؛ وندخل حجرات الدراسة بعده لنرى ماذا كان يصنع لعلنا نقع على أشياء جديدة فيه نجعلها مدار التعليق، فنرى السبورة مزدانة بالطباشير الملون هنا وهناك؛ فكلمات يكتبها باللون الأحمر وأخرى يكتبها باللون الأزرق، فضلا عن اللون الأبيض، بل نراه يكتب الكلمة الواحدة بعدة ألوان فنضحك ونخرج لننشر الخبر بين سائر الزملاء.
يدخل المدرسة صامتا ويخرج منها صامتا، ولعل صمته لم يبلغ حده الأقصى مرة كلما بلغه ذات مساء، حين سمع في حجرة المدرسين نبأ تدور به الألسنة بأن مدرسا جديدا للغة العربية سيصل إلى المدينة في المساء، فأين عساه ينزل يا ترى؟ ومن ذا سيقابله في المحطة ليئويه في هذا البلد، سمع هذا فلم ينطق بكلمة، لكن - فيما علمنا بعدئذ - ذهب إلى المحطة في المساء، خشية ألا يقابل المدرس القادم أحدا فتأخذه الحيرة كما حدث للأحدب نفسه ليلة وصوله، فلما لم يجد أحدا هناك سواه، صمم على أن يضطلع بهذا الواجب، وأمعن النظر فيمن نزلوا من القطار، حتى اهتدى بالسليقة إلى شاب نزل ومعه حقيبة وسلتان، وضعها أمامه وراح يتلفت، فاقترب منه الأحدب وسأله إن كان هو المدرس الجديد، ولما علم من جوابه أنه هو سأله إن كان له مكان يبيت فيه، وعلم أن لا مكان، فدعاه إلى المبيت معه في منزله حتى يدبر أمره في الصباح، وعاونه على حمل أمتعته، وذهب كلاهما إلى الدار، ولم يكن بها إلا سرير واحد، فأنزل صاحبنا الأحدب اللحاف وفرشه على الأرض ورقد، تاركا السرير للضيف.
كل هذا جميل، ولكن القبيح في الأمر هو أنه منذ قبل الضيف دعوته وهما في المحطة، ختم الأحدب على شفتيه بخاتم الصمت فلم ينطق بكلمة واحدة إلى ضيفه هذا الذي تبرع بمقابلته وبدعوته؛ ففي صمت تام سارا، وفي صمت تام دخلا الدار، وفي صمت تام أعد الأحدب فراشه على الأرض، وفي صمت تام قضى الليل، وفي صمت تام استيقظ في الصباح وأعد لضيفه الفطور، وارتدى ثيابه وخرج، وترك وراءه الضيف الغريب لا يدري ماذا يصنع بنفسه، حتى شهدناه وهو يلتقي بالأحدب في بهو المدرسة ليسلمه مفتاح منزله شاكرا. ولقد روى لنا المدرس الجديد قصته هذه وهو في عجب شديد من هذا المضيف الذي تطوع بالفضل، ثم سلك هذا السلوك الشاذ كأنما قد أحس بالندم على الفضل الذي تطوع بأدائه مختارا، وقل ما شئت فيما أحدثته هذه القصة من دوي في مجالسنا الخاصة؛ لأنها جاءت آية جديدة تفسر غوامض هذا الرجل الفريد؛ فهو يؤدي الواجب أداء كاملا، ثم ينسحب مختفيا عن الأنظار والأسماع.
الفردية هي طابع هذا الرجل؛ فهو لا يطمئن نفسا إلا إذا تفرد واختلف عن غيره قليلا أو كثيرا؛ فقد حدث لنا ونحن ما نزال ندرس في المدرسة الابتدائية بمدينة أجا، أن زار البلد رئيس الوزراء، واستعدت الحكومة المحلية في المدينة بألوان من الترحيب مما يطوف بالخيال وما لا يطوف، ومن ذلك أن أعد سرادق فسيح ليحشد فيه الناس حشدا كي يخطب فيهم القادم الكبير، وكان رئيس الوزراء عندئذ حاكما مستبدا ظفر بمنصبه كرها وغصبا، وكان على الموظفين جميعا، وعلى المدرسين بصفة خاصة، أن يذهبوا ليرصوا على المقاعد مع سائر من يرص من أبناء الإقليم، وذهبنا جماعة واحدة كما أمرنا أن نذهب، كأنما نحن قطيع من الغنم يسوقه الراعي مجتمعا حتى لا تشرد منه غنمة فتضل الطريق؛ ذهبنا جماعة واحدة إلى السرادق، ومعنا الأحدب بنظارته ذات العدسة الواحدة على عينه اليسرى، وكان مقدرا للمدرسين أن يجلسوا في صفوف خلفية، وفعلوا كما أمروا إلا صاحبنا الأحدب فقد نفر كالقط المفترس، وفي خطوات فسيحة مندفعة قصد إلى الصف الأول في السرادق حيث اتخذ مجلسه، فلما أن نبهه المنظمون أن ليس هذا موضعه رفض حتى أن يلتفت إليهم بنظره أو أن يجيب، فحدثت حركة ملحوظة بين جماعة المنظمين ومعظمهم من ضباط الشرطة، حتى جاءوا له برئيسهم، فلم يعرف هذا إلا أن يخيره بين أمرين؛ فإما أن يجلس حيث يجلس زملاؤه، وإما أن يأمر رجاله فيقذفوا به في الطريق، وهنا أخرج له الأحدب تذكرة الدعوة من جيبه، وقال إنه تلقى هذه الدعوة فجاء ملبيا، ولم يكن بالدعوة ما يدل على مكان معين للجلوس؛ ولذلك فهو مصر على البقاء حيث هو، وليفعل صاحب الشرطة ما يشاء، فإن قذف به في الطريق كما توعده، فقد خدمه بذلك خدمة سيشكره عليها؛ لأنه ترك مسرحية «حلم ليلة في منتصف الصيف» مقروءة إلى نصفها، ولأن يتمها خير له من أن يسمع ما جيء به ليسمعه، فاستشاط الضابط غضبا وصمم أن يعلمه درسا، بادئا بأن نفذ ما قد توعد به، وأمر رجاله أن احملوه وارموا به خارج السرادق، لكن رجاله لم يجدوا من يحملونه؛ لأن صاحبنا الأحدب ترك مكانه وخرج، ولا أدري هل أصابه بعد ذلك سوء أو لم يصبه.
تفرد عجيب في هذا الرجل كما وصفه لي صديقي الذي أنقل عنه روايته: هكذا استطرد فريد في روايته، ومضى يقول:
كان بين أخباره التي رواها لي صديقي عن الأحدب، أن ناظر المدرسة قد استدعاه يوما ليحدثه في أمر ابنه التلميذ، وكان ذلك الناظر موضع استخفاف من المدرسين لتفاهته وجهله، فلما أن ذهب إليه الأحدب شكا إليه الناظر ضعف ابنه في اللغة الإنجليزية ضعفا يلفت النظر؛ لأنه عاجز عجزا تاما عن أن يكتب كلمة واحدة صحيحة الحروف، فهلا تولاه الأحدب بعناية خاصة؟
قال الأحدب: وماذا تريدني أن أصنع لابنك هذا؟
ناپیژندل شوی مخ