فاستولت الدهشة على كمال، حتى لبث ثواني لا يتكلم، ثم تمالك نفسه فسأله: كيف عرفت هذا ولم تكن معنا؟
فقال حسن سليم دون أن يلوح في وجهه أي تغيير: جئت في أثناء حديثكما، فتراءى لي أن أذهب إلى حين حتى لا أقطعه عليكما.
ترى أكان يسلك مسلكه لو وجد نفسه في موقفه؟ واشتدت به الحيرة، وخالطه شعور بأنه مقبل على حديث مثير ذي شجون، قال: لا أدري ماذا حملك على ذلك التصرف، ولو لمحتك ما تركتك تذهب. - للياقة أحكام! أعترف بأنني شديد الحساسية في هذه الناحية.
آداب أرستقراطية! أين أنت من إدراكها! - لا تؤاخذني إذا صارحتك بأنك تدقق أكثر مما ينبغي.
ابتسم حسين ابتسامة خفيفة لم تمكث على شفتيه، ثم بدا كالمنتظر، ولما طال به الانتظار عاد يتساءل: نعم؟ ... فيم كنتما تتحدثان؟
كيف إذن ارتضت آداب اللياقة مثل هذا الاستجواب؟ وفكر لحظات في توجيه هذه الملاحظة إليه، غير أنه دقق في اختيار الصياغة الجديرة بالاحترام الذي يكنه له - احترام يرجع إلى شخصيته أكثر مما يرجع إلى سنه - حتى قال: المسألة أبسط من أن تحتاج إلى هذا كله، غير أني أتساءل عن مدى التزامي بالإجابة!
فبادر حسن قائلا بلهجة المعتذر: أرجو ألا ترميني بلهجة المتطفل، أو بدس أنفي في خاص شئونك، فإن لدي من الأسباب ما يبرر هذا السؤال، وسوف أحدثك عن أمور لم تعرض مناسبة تجعلني أحدثك عنها من قبل، غير أني اعتقدت - اعتمادا على ما بيننا من صداقة - أنك لن تضيق بسؤالي، أرجو ألا تفهم الأمر على غير هذا الوجه.
خف التوتر، ولعله سر لتلقي هذا الكلام الرقيق عن حسن سليم بالذات، الشخص الذي طالما رآه مثالا للأرستقراطية والنبل والكبرياء، فضلا عن أنه كان أرغب منه في استنفاد أوجه الحديث عن أمر يتعلق بمعبودته. لو كان إسماعيل لطيف هو صاحب السؤال ما احتاج الأمر إلى شيء من هذا اللف والدوران حول ما يجب وما لا يجب، وما يليق وما لا يليق، وربما كان أفضى إليه بكل شيء وهما يتضاحكان، ولكن حسن سليم لا يخرج عن تحفظه أبدا، ولا يخلط بين الصداقة ورفع الكلفة، فلا بأس من أن يؤدي ثمن تحفظه. قال: أشكرك على حسن ظنك، وثق بأنه لو كان ثمة ما يستحق أن أخبرك به ما كتمته عنك، ليس إلا أننا تكلمنا بعض الوقت في شئون عادية وهذا كل ما هنالك، غير أنك أيقظت حب الاستطلاع في نفسي فهل لي أن أسألك - ولو من باب العلم بالشيء - عن الأسباب التي تراها مبررة لسؤالك؟ لست ألح بطبيعة الحال، بل إني على أتم الاستعداد للنزول عن سؤالي إذا لم يصادف منك قبولا.
قال حسن سليم بهدوئه واتزانه المألوفين: سأحدثك عما تسأل عنه، ولكن أرجو أن تنتظر قليلا، يبدو أنك لا تود إخباري عما دار بينكما من حديث، وهذا حقك لا ريب فيه، بل لا أجد فيه إخلالا بواجب الصداقة، ولكني أود أن ألفت نظرك إلى أن كثيرين يخدعون بحديث عايدة، ويفسرونه تفسيرا لا يمت للواقع بسبب، وربما أحدثوا لأنفسهم بسبب ذلك متاعب لا داعي لها.
أفصح عما تريد قوله، في الجو نذر تجهم لا يلبث أن ينقلب إعصارا فيعصف بقلبك المطعون، كأن به موضعا سليما لم يطعن! أنت، أنت المخدوع يا صاح، ألا تدري أنه الحياء وحده الذي يمنعني من أن أفضي إليك بما كان؟ فلتصعقني الصواعق إن أرحت لك بالا. - لم أفهم مما قلت حرفا.
ناپیژندل شوی مخ