قدیم او حدیث

محمد کرد علی d. 1372 AH
123

قدیم او حدیث

القديم والحديث

ژانرونه

نعم، كثرة السكان شرط في الحضارة، ولكنها إذا بلغت درجة تؤدي إلى قلة سريعة في المواليد، ربما كان فيها الخطر على المدنية، والمدنيات لا تقوم إلا في بعض أدوار التاريخ، على أن الرفاهية العامة والأمن هما من أهم العوامل في المدنيات الكبرى، قد يكون منها قلة عدد المواليد، وهذه القاعدة تجري في كل مكان اليوم في ألمانيا وإيطاليا وإنكلترا، وقد كانت فرنسا أول من وصلت إلى هذا المعدل، فتعدلت وفياتها مع ولاداتها، مع أن فرنسا كان عدد سكانها في أواسط القرن الثامن عشر عشرين مليونا، وإنكلترا ثمانية ملايين، وإسبانيا ثمانية، وإيطاليا عشرة، وألمانيا كلها مع النمسا، وتوابعها اثنين وعشرين مليونا، وروسيا في أوروبا اثني عشر مليونا، وقد زادت كلها على كثرة من هاجر منها إلى أميركا في القرون الثلاثة الأخيرة، ومع هذا زادت كل مملكة، ولكن زيادة بلاد الإنكليز والجرمانيين كانت أهم وأعظم، فبلغت بريطانيا العظمى اليوم نحو خمسة وأربعين مليونا، وفرنسا نحو أربعين مليونا، وألمانيا خمسة وستين مليونا، والنمسا والمجر خمسة وخمسين مليونا، وإيطاليا خمسة وثلاثين مليونا، وإسبانيا ثمانية عشر مليونا، فمنها ما تضاعف ثلاث مرات ومنها مرة ومنها مرتين.

وقد نفى سكريتان أن تكون قلة السكان ناشئة من فساد الآداب، وقال: إن الروس بإقرارهم أنفسهم من أعظم الموغلين في المفاسد والموبقات، ومع هذا يزيد سكان الأرياف عندهم، والسبب في قلة المواليد هو في الحقيقة إرادة الرفاهية، الولادة لا تشكو من الفقر ولا من حرية الفكر ولا من حرية الأخلاق، وما خرابها آت إلا من كثرة الحذر الذي هو ابن الطمع. •••

عرف السوري منذ القديم بحب الهجرة للكسب وإحراز المجد، والفينيقيون أو سكان الساحل الأوسط من هذا القطر كانوا رواد الحضارة وربابنة البحار في سواحل البحر المتوسط، حتى بلغوا شطوط الجزر البريطانية في أقصى شمالي أوروبا، وأنشئوا المكاتب التجارية في جنوبي القارة الأوروبية وشمالي أفريقيا، وكان من أخلاقهم ما يشبه هذه الأعمال والهجرات، ولا سيما على عهد الحكومة الرومانية، حتى إذا جاء الإسلام كانت منهم جيوش وقواد وقضاة تسافر إلى القاصية، ورجال الشام كانوا في مقدمة الفاتحين للأندلس في الغرب، وهم الذين فتحوا الفتوح في الشرق وأوغلوا فيها حتى وصلوا إلى بكين عاصمة الصين، وضربوا الجزية على صاحبها.

وبعد، فإن فتن التاتار والصليبيين أضعفت حال البلاد وقللت سكانها، خصوصا على عهد حكومات الإقطاعات الظالمة، فقلت الولادات وكثرت الوفيات، والأمة المظلومة في الغالب يضعف تناسلها، ويكثر الموتان في أولادها، بل تندر النضرة في وجوه أهلها، ولم تقصر الحوادث السماوية في انتياب هذه البلاد، فكانت الزلازل والأوبئة تحصد أهلها بالألوف، وما بقي منهم يهلكه الظلم وقلة العلم.

حتى إذا جاء القرن الماضي، ونشر خط كلخانة، ووضعت التنظيمات الخيرية، ودخلت البلاد العثمانية في طور أحبت فيه احتذاء مثال الغربيين في إدارتها، وضعفت سلطة العمال بعض الشيء، وقوي ارتباطهم بالمركز، خصوصا بعد إنشاء الأسلاك البرقية التي سهلت وصول الشكاوى إلى العاصمة بعض التسهيل، وأخذ الفلاح يأمن على زرعه وضرعه بالنسبة للماضي، والتاجر في المدن قد تنجو من البوائق متاجره، وكثر بعد حوادث سنة 1860 اختلاط أهل هذا القطر بالغربيين، وأنشأت الجمعيات الدينية مدارسها الراقية في المدن والقرى، بعد كل هذا عادت النفوس تنمو خصوصا في لبنان بعد نظامه الجديد، وارتفاع أعلام الأمن في ربوعه، وأصبح من الندرة الاغتيال والاقتتال فيه فكثرت نفوسه.

وإذ كانت زراعة لبنان ضعيفة، تعد بين الزراعات في الدرجة الثالثة أو الرابعة، لم يقم بمعاش سكانه، فأخذوا يهاجرون أولا إلى البلاد القريبة منهم، ولما تنوقلت الأنباء عن نجاح جماعة من تجار بيت لحم في أميركا سمت الهمة ببعضهم إلى السير على آثار من سبقوهم، وساعد على ذلك اتصال آسيا بأفريقيا وأوروبا وأميركا بالبواخر، فوفق بعض من هاجروا من لبنان إلى جمع جانب من المال، فاشتهر بين قومهم نجاحهم، وأخذ يتبعهم في خطتهم الأقرب فالأقرب من سكان البلاد، وكان أهل الجبال وهم معتادون القلة وشظف العيش في الجملة هم الناهضون لهجرة بلادهم، ولم تمض بضع سنين حتى سرى داء الهجرة إلى الأصقاع المخصبة من أرض الشام مثل وادي الأردن، ووادي العاصي، وسهل البقاع، وسهل حوران، فجاراها جبل لبنان، وجبل عامر، وجبل حرمون، وجبال عكاء، وجبال اللكام، وجبال الخليل، واشترك السهل والوعر في الهجرة، ونال من آثارها دمشق وبيروت وحلب والقدس كما نال أحقر قرية.

واشتهر في الأكثر من ارتاشوا واغتنوا وآبوا إلى بلادهم، فعمروا لهم دورا على الطرق الغربية، واقتنوا الأملاك وأقاموا العقارات، وأخذوا بحظ من الرفاهية، ونسي الناس أو لم يذكروا من هلكوا وتشتتوا، فما عتمنا وقد حسبنا الراحل عنا، والراجع إلينا إلا وقد أصبح المهاجرون زهاء أربعمائة ألف رجل على أقل تقدير من السكان مهما بالغنا في تقديرهم، وعددنا في جملتهم بعض البوادي، لا يبلغون أكثر من أربعة ملايين، وقدر بعض الصحافيين عدد المهاجرين من السوريين بخمسمائة وسبعين ألفا، وغالى بعضهم فقدرهم بزهاء مليون، ويمكن أن يجاب عن هذا التقدير الكبير بالأثر الحادث عنه أي بإضافة عدد من الأولاد الذين كانوا يولدون لهذا القدر من المهاجرة لو بقوا في بلادهم من أزواجهم، أو تزوج العزب منهم في السن المعينة للزواج في هذه البلاد.

خسرت البلاد من وجهين في الجملة وربحت من وجهين، خسرت البلاد من عمل هؤلاء الشبان المتغيبين سنين عن أوطانهم، وعن تعطلهم عن التناسل، وربحت مما حملوه إلى الشام من النقود والتهذيب الغربي، ولكن الخسارة أعظم بدليل أن الثروة هي العمل لا النقود كما يقول علماء الاقتصاد، وأن التهذيب الذي حملوه ناقص؛ لأنه علمهم أمورا رفعت من شممهم، فلم يعد يستطيع المهاجر أن يقيم في قريته إذا آب إليها بعد تغيبه عنها بضع سنين؛ إذ يرى الفرق محسوسا بين ما شاهد في بلاد غيره وعهد في بلاده، ويتأفف من عمله الصغير في الزراعة أو الصناعات الضعيفة ، فلا يلبث أن يعود أدراجه إلى أميركا، ويختار الموت هناك على البقاء في أرض ذلة وقلة.

ولذا لا تعجب إذا رأيت مئات من الدور الفخمة التي عمرت بدراهم أميركا في هذه الديار خالية من سكانها، يلعب فيها الجرذ والفار ولا من يقطنها؛ لأن بناتها عادوا فرحلوا إما طلبا لثروة غير التي نالوها وصرفوها كلها في إنشاء دورهم، وإما لضيق صدر نالهم من سوء إدارة وفساد نظام، وهذا قليل.

قال قنصل فرنسا في تقريره الأخير على بلاد الجليل: إن هؤلاء المهاجرين ينفعون بالأجور التي يؤدونها لشركات الملاحة، ولكنهم يضرون البلاد في ارتقائها الاقتصادي إذ يحرمونها من الأيدي العاملة، وقد نجحوا بأن أسسوا في البلاد التي هاجروا إليها (أميركا الشمالية والجنوبية وأوستراليا وأفريقيا الجنوبية أو مصر) مستعمرات مهمة للغاية، وكثير ممن غادروا بلادهم حفاة لا يملكون أجرة المركب الذي يقلهم وهم في الدرجة الرابعة، قد عادوا إليها يحملون الدنانير في جيوبهم أو الأوراق المالية، وقد اقتبسوا الأذواق والعادات الغربية وأنشئوا يستخدمونها في بيوتهم، وهم يبتاعون الأراضي وينشئون الزراعات الكبرى، وأكثر العائدين منهم على ما أظن هم اللبنانيون والبقاعيون.

ناپیژندل شوی مخ