حدثني أبو القاسم سعد بن عبد الرحمن الأصبهاني ، كتاب الأمير أبي حرب ، سند الدولة ، الحبشي بن معز الدولة ، ومحله من النبل والجلالة والثقة ، والأدب ، والعلم ، مشهور ، قال : كان أبو الحسين بن أبي البغل ، يتقلد بلدنا ، فأخبرني من حضر مجلسه ، فقد دخل إليه شيخ قدم من بغداد ، بكتب من وزير الوقت ، ومن جماعة رؤساء الحضرة ، وإخوان أبي الحسين بها ، يخاطبونه بتصريفه ونفعه . فسلم وجلس ، وأصل الكتب ، وصادف منه ضجرا وضيق صدر ، وكانت إضبارة عظيمة ، فاستكثرها بن أبي البغل ، ولم يقرأها جميعها . فقال له الرجل : إن رأيت أن تقرأها ، وتقف على جميعها . فصخب ، وتغيظ ، وقال : أليس كلها في معنى واحد ؟ قد والله بلينا بكم يا بطالين ، كل يوم يصير إلينا منكم واحد يريد تصرفا ، لو كانت خزائن الأرض إلي ، لكانت قد نفذت . ثم قال للرجل : يا هذا ، ما لك عندي تصرف ، ولا إلي عمل شاغر أرده إليك ، ولا فضل في مالي أبرك منه فدبر أمرك بحسب هذا . قال : والرجل ساكت جالس ، إلى أن أمسك ابن أبي البغل . فلما سكت ، ومضت على ذلك ساعة قام الرجل قائما ، وقال : أحسن الله جزاءك ، وتولى مكافأتك عني بالحسنى ، وفعل بك وصنع . قال : وأسرف الرجل في شكره ، والدعاء له ، والثناء عليه ، بأحسن لفظ ، وأجود كلام ، وولى منصرفا . فقال ابن أبي البغل : ردوا من خرج . وقال له : يا هذا ، هو ذا تسخر مني ؟ ، على أي شيء تشكرني ؟ على أياسي لك من التصرف ، أو على قطع رجائك من الصلة ، أو على قبيح ردي لك عن الأمرين ، أو تريد خداعي بهذا الفعل ؟ قال : لا ، ما أردت خداعك ، وما كان منك من قبيح الرد ، غير منكر ، فإنك سلطان ، ولحقك ضجر . ولعل الأمر على ما ذكرته من كثرة الواردين عليك وقد بعلت بمن حضر ، ونحوسى أن صار هذا الرد القبيح ، والأياس الفظيع ، في بابي . ولم أشكرك إلا في موضع الشكر ، لأنك صدقتني عما لي عندك في أول مجلس ، فعتقت عنقي من ذل الطمع ، وأرحتني من التعب بالغدو والرواح إليك ، وخدمة من أستشفع بهم عليك ، وكشفت لي ما أدبر به أمري ، وبقية نفقتي معي ، ولعلها تقوم بتجملي ، الذي أتجمل به إلى بلد آخر ، فإنما شكرتك على هذا ، وعذرتك فيما عاملتني به ، لما ذكرته أولا . قال : فأطرق ابن أبي البغل خجلا ، ومضى الرجل . فرفع رأسه بعد ساعة ، وقال : ردوا الرجل ، فردوه . فاعتذر إليه ، وأمر له بصلة ، وقال : تأخذها إلى أن أقلدك ما يصلح لك ، فإني أرى فيك مصطنعا . فلما كان بعد أيام قلده عملا جليلا ، وصلحت حال الرجل .
مخ ۳۴۳