نشوار المحاضرة واخبار المذاكره
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
ایډیټر
مصطفى حسين عبد الهادي
خپرندوی
دار الكتب العلمية
شمېره چاپونه
الأولى
د چاپ کال
1424هـ-2004م
د خپرونکي ځای
بيروت / لبنان
حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي ، قال : حدثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب ، قال : كنت أكتب بين يدي أبي علي بن مقلة ، وهو وزير ، وكانت حالي صغيرة ، وكنت أستحلي قينة كنت أنفق جميع ما أكسبه عليها . وكان أبو علي يعرف ذلك من خبري ، فيخصني بالأعمال التي تكسب المنافع ، وإذا أراد كتب عهد لعامل ، أو إجابة صاحب طرف ، لم يعدل بذلك عني ، فأنتفع بالمائتي دينار ، والثلثمائة ، والأكثر ، والأقل ، ولا أبقي شيئا . قال : فكان من ذلك ، أن كتاب ملك جرزان ، ورد عليه ، فرمى به إلي ، وأمرني بالإجابة عنه . فجاءني موصله ، يتنجز الجواب ، وحمل إلي مائتي دينار ، وثياب ديباج ، وغير ذلك . فأجبته جوابا جميلا ، وأخذت ذلك فأنفقته كله على المغنية . وأصبحت بعد أيام ، وهي عندي ، وليس معي ما أجذرها به في يومي ذلك ، وأنا قلق من انصرافها ، ولا حيلة لي في إسلامها ، حتى جاءني غلامي ، فقال لي : إن صاحب جرزان على الباب . فتثاقلت به ، وقلت : لم يبق شيء أتوقعه منه ، وقد كتبت كتبه ، وأنا متشاغل بحيلة ما أجذر هذه اليوم ، فاحجبه عني . قال : فخرج وعاد وقال : قد أعطاني عشرة دراهم ، وسألني إيصاله إليك . قال : فطمعت فيه ، وقلت : إذا أعطى غلامي عشرة دراهم ، فالأمر يحتمل أن يصل إلي ، هاته . قال : فدخل ، وأخرج الكتاب ، وقال : يا سيدي ، كانت العادة ، إذا عنون الكتاب إلى صاحبي ، وقيل : لأبي فلان بن فلان ، أن يقال بعد ذلك : ملك جرزان ، ولم يقل هذا ، وفيه عليه غض في عمله ، فحلق ذلك . قال : فقلت هذا لا يجوز إلا بأمر من الوزير ، وهذا أمر عظيم ، وإذا قيل ذلك فكأنما قد أزلنا ملك السلطان عن ذلك الصقع ، وأخذت أهول الأمر ، وأفخمه بقدر طاقتي . فقال : يا سيدي ، لا زمان علي في مساءلة الوزير ، لأني أريد الخروج اليوم مع القافلة ، فخذ مني ما شئت ، واكتب لي . قال : فزاد طمعي فيه ، وقلت : هذا أمر لا يمكن للوزير فعله ، إلا بأمر من الخليفة . قال : فما زلت معه في ألوان ، إلى أن دفع لي في الحال ، ثلثمائة دينار عينا . فقلت : على شريطة أن لا يرى الكتاب أحد معك ، ولا تقم اليوم ببغداد . قال : فشارطني على ذلك . فكتبت إلى جانب العنوان ' ملك جرزان ' فقط ، وأخذت الدنانير وانصرف الرجل ، ولم أدع الجارية تبرح ومعي شيء من الدنانير . قال : ثم دخلت إلى أبي علي ، بعد ذلك بأيام ، فرمى إلي كتبا وقال : اكتب إلى صاحبها عهدا على أعماله بتستر . قال : فجاءني الرجل ، وحمل إلي مائتي دينار ، وثلاثة أثواب تسترية ، وعمامة منها ، فكتبت عهده ، وقطعت الثياب ، وكنت أنفق من تلك الدنانير . قال : وكان بين أبي علي ، وبين أبي العباس الخصيبي ، من العداء والمشاحة على الوزارة ، ما عرفه الناس ، وكانت لأبي العباس علي ، حقوق ، ورياسة قديمة ، فكنت أحب لقاءه ، وأخاف من أجل الوزير ، فكنت ربما مضيت إليه في الأيام سرا ، واعتذرت من تقصيري باتصالي بالوزير ، فيعذرني . فاتفق أني مضيت إليه يوما سحرا ، في تلك الثياب الجدد ، وعدت إلى دار الوزير ، فلما صرت في الحجرة التي كان فيها ، وجدته وأبا الحسين ابنه ، مختليين ، وفي ناحية من الدار جماعة من الكتاب جلوس ، منهم أبو جعفر بن شيرزاد ، وأبو محمد المادرائي ، وأبو العلي الحسن بن هارون ، وغيرهم . فعدلت لأجلس مع الجماعة ، فلما رآني الوزير ، صاح : تعال ، بحرد . قال : فقمت فزعا ، أن يكون الخبر بلقائي الخصيبي ، قد ري إليه ، فجئته ، فأسر إلى أبي الحسين ، بشيء في أمري ، لا أدري ما هو ، ثم ضحك وقال : اجلس ، فلما ضحك ، سكنت نفسي ، وجلست . فقال : اليوم يوم سبت ، والهوا طيب فما ترى في ترك العمل والصبوح ؟ فقلت : هذا والله عين الرأي ، وحقيقة الصواب ، ونفس لواجب ، وما لا يجوز العدول عنه ، ولا الخروج منه ، ولا التأخر عن فعله ، وأخذت أصف طيب الصبوح ، وأروي ما حضرني فيه ، في الحال . قال : فقال لحاجبه : قل لأصحابنا ، يمضون إلى الديوان وينظر كل واحد في أمره ، وما إليه ، وأخل دار العامة ، ولا تستأذن علي لأحد ، حتى أتشاغل بالصبوح . ثم دعا الفراشين ، فأمرهم بفرش حجرة كان يستطيبها ، وقال : أريد أن تكون في نهاية الضياء ، من غير أن يسقط فيها خرم إبرة شمس . فقام فلم تكن إلا ساعة ، حتى جلس فيها ، فأكلنا معه ، ونفسي متطلعة إلى ما جرى . فلما نهضنا لغسل أيدينا ، سألت أبا الحسين عن ذلك ، فقال : إن الوزير لما رآك ، قال : هذا الرجل يخدمنا ، ويختص بنا ، وواجب الحق علينا ، وهو يعشق مغنية لعل ثمنها شيء يسير ، ويتلف كل ما يكسبه عليها ، ولا نشتريها له ؟ أي شيء أقبح من هذا ؟ قال : فقلت له - وكنت أعرف في أبي الحسين شدة - فأي شيء قلت له يا سيدي ؟ قال : قد قويت رأيه . قلت لا يقنعني هذا والله ، أريد أن تتجرد ، وتصمم ، وتذكره ، ولا تدعه أو يتنجز لي ثمنها اليوم . فقال : أفعل . وقام أبو الحسين لينام ، فلم يحملني أنا النوم ، وقعدت ، فعملت أبياتا في الوزير ، أشكره على هذا الرأي ، وأتنجز الوعد ، وحررتها بأحسن ما قدرت عليه من خطي . فلما جلسنا للشرب ، وشرب الوزير أقداحا ، رميت إلى أبي الحسن ابن هارون بن المنجم ، بالرقعة ، وكانت له عادة عندي في التعصب لشعري ، والمدح لي عند الوزير ، لنفاقه عليه ، واختصاصه به ، من بين ندمائه . فأخذ أبو الحسن الرقعة ، فأنشد منها الشعر ، وأتبع ذلك بوصفها وتقريظها ، وتبعه الجماعة ، واستحسن الوزير ذلك ، فأخذ الرقعة ، فقطع بالسكين ، سحاة عريضة منها ، فكتب في رأسها شيئا ، ثم أخذها الوزير ، فلفها شديدا حتى صارت كالزر ، ورمى بها ، فإذا هي في حجري ، ففتحتها ، فإذا فيها : ندى الخادم ، عشرة آلاف درهم ، وبخط أبي الحسين : فلان الجهبذ خمسة آلاف درهم . قال : فجئت لأنهض ، فأشكره ، وأقبل يده ، فأومأ إلي بإصبعه ، أن اسكت ووضعها على فيه ، فسكت ، وشربنا إلى أن حضرت المغرب ، وقام الوزير ليصلي ، وقمنا . قال : فاستدعاني ، فقال : أخذت المال ؟ فقلت : لا . فقال : إنا لله ، ظننتك أفره من هذا ، إذا قال لك السلطان ، هات لأغرف لك ، فابسط حجرك ، ولا تنتظر غضارة ، أن صرفني الخليفة الليلة عن الوزارة ، كيف تصل أنت إلى المال ؟ إن مت ؟ أن كان كذا ؟ فقلت : حاشاك يا سيدي ، لعن الله هذه الدراهم ، مع هذا القول ، يبقيك الله ألف سنة . فقال : دع ذا عنك ، ثم نادى الخادم ، فجاء ، فقال : خذ هذه الرقعة ، وأحضر المال الساعة ، قبل أن أتمم الصلاة . قال : فأخذها الخادم ودخل هو في الصلاة ، ودخلنا نحن ، فوالله ، ما تممنا صلاتنا ، حتى حضر المال ، ولم يكن معي غلام يحمله ، إلا صبي يحمل دواتي ، ولا يطيق ذلك . قال : فالتفت إلى بدعة الصغيرة ، وكانت في المجلس ، وكان بيني وبينها ود ، وهي تتعصب لي ، فقلت : يا ستي ، أعيريني بعض خدمك ، يحمل هذا المال معي ، إلى داري فإن غلامي لا يطيقه . قال : وكانت بدعة الحمدونية ، إذا حضرت المواضع ، معها عدة جوار وخدم وفراشين . قال : فدفعت إلي غلامها ، وكان مقدما عندها ، فسلمت إليه المال ، فحفظه ، حتى أداه إلى منزلي . فاستدعيت مولاة الجارية ، وبذلته لها في ثمنها ، فقالت : لا أبيعها إلا بثلاثين ألفا ، فاستقبحت إعلام الوزير بالصورة ، وتاقت نفسي إلى نفقة المال ، فأسلفتها منه للجذور ، خمسة آلاف درهم ، وأنفقت الباقي عليها في مدة يسيرة .
الوزير ابن مقلة يهدي لكاتبه
مخ ۲۸۷