نشوار المحاضرة واخبار المذاكره
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
ایډیټر
مصطفى حسين عبد الهادي
خپرندوی
دار الكتب العلمية
شمېره چاپونه
الأولى
د چاپ کال
1424هـ-2004م
د خپرونکي ځای
بيروت / لبنان
: حدثني أبو علي الحسين بن محمد الأنباري الكاتب قال : سمعت دلوية الكاتب ، يحكي عن صافي الحرمي الخادم ، مولى المعتضد ، إنه قال : مشيت يوما بين يدي المعتضد ، وهو يريد دور الحرم ، فلما بلغ إلى باب دار شغب أم المقتدر ، وقف يتسمع ويطلع من خلل الستر ، فإذا هو بالمقتدر ، وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها ، وهو جالس وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن ، وبين يديه طبق فضة ، فيه عنقود عنب ، في وقت فيه العنب عزيز جدا ، والصبي يأكل عنبة واحدة ، ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة ، على الدور إليه أكل واحدة مثلما أكلوا ، حتى فني العنقود ، والمعتضد يتمزق غيظا . قال : فرجع ، ولم يدخل الدار ، ورأيته مهموما . فقلت : يا مولاي ، ما سبب ما فعلته ؟ وما قد بان عليك ؟ فقال : يا صافي ، والله لولا النار والعار ، لقتلت هذا الصبي اليوم ، فإن في قتله صلاحا للأمة . فقلت : يا مولاي ، حاشاه ، أي شيء عمل ؟ أعيذك بالله يا مولاي ، إلعن إبليس . فقال : ويحك ، أنا أبصر بما أقوله ، أنا رجل قد سست الأمور ، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد ، ولا بد من موتي ، وأعلم أن الناس بعد موتي لا يختارون إلا ولدي ، وأنهم سيجلسون ابن عليا - يعني المكتفي - وما أظن عمره يطول ، للعلة التي به ، قال صافي : يعني الخنازير التي كانت في حلقه ، فيتلف عن قريب ، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي ، ولا يجدون بعده منهم أكبر من جعفر ، فيجلسونه وهو صبي ، وله من الطبع في السخاء ، هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثلما أكل ، وساوى بينه وبينهم ، في شيء عزيز في العالم ، والشح على مثله في طباع الصبيان ، فتحتوي عليه النساء ، لقرب عهده بهن ، فيقسم ما جمعته من الأموال ، كما قسم العنب ، ويبذر ارتفاع الدنيا ويخربها ، فتضيع الثغور ، وتنتشر الأمور وتخرج الخوارج ، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلا . فقلت : يا مولاي بل يبقيك الله ، حتى ينشأ في حياتك ، ويصير كهلا في أيامك ، ويتأدب بآدابك ، ويتخلق بخلقك ، ولا يكون هذا الذي ظننت . فقال : احفظ عني ما أقوله ، فإنه كما قلت . قال : ومكث يومه مهموما . وضرب الدهر ضربه ، ومات المعتضد ، وولي المكتفي ، فلم يطل عمره ، ومات ، وولي المقتدر ، فكانت الصورة كما قال المعتضد بعينها . فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر وهو يشرب ، ورأيته قد سكر ودعا بالأموال ، فأخرجت إليه ، وحلت البدر ، وجعل يفرقها على الجواري والنساء ، ويلعب بها ، ويمحقها ، ويهبها ، ذكرت مولاي المعتضد ، وبكيت . قال : وقال صافي : كنت يوما واقفا على رأس المعتضد ، فأراد أن يتطيب ، فقال : هاتم فلانا الطيبي ، - خادم يلي خزانة الطيب - فأحضر . فقال له : كم عندك من الغالية ؟ فقال : نيف وثلاثون حبا صينيا ، مما عمله عدة من الخلفاء . فقال : فأيها الطيب ؟ قال : ما عمله الواثق . قال : أحضرنيه . فأحضره حبا عظيما ، يحمله خدم عدة ، بدهق ومصقلة ، ففتح ، فإذا الغالية قد ابيضت من التعشيب ، وجمدت من العتق ، في نهاية الذكاء . فأعجبت المعتضد ، وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحب ، فأخذ من لطاخته شيئا يسيرا ، من غير أن يشعث رأس الحب ، وجعله في لحيته ، وقال : ما تسمح نفسي بتطريق التشعيث على هذا الحب ، شيلوه ، فرفع . ومضت الأيام ، فجلس المكتفي للشرب يوما ، وهو خليفة ، وأنا قائم على رأسه ، فطلب غالية ، فاستدعى الخادم ، وسأله عن الغوالي ، فأخبره بمثل ما كان أخبر به أباه . | فاستدعى غالية الواثق ، فجاءه بالحب بعينه ، ففتح ، فاستطابه ، وقال : أخرجوا منه قليلا ، فأخرج منه مقدار ثلاثين أو أربعين مثقالا ، فاستعمل منه في الحال ما أراده ، ودعا بعتيدة له ، فجعل الباقي فيها ، ليستعمله على الأيام . وولي المقتدر الخلافة ، وجلس مع الجواري يشرب يوما وكنت على رأسه ، فأراد أن يتطيب ، فاستدعى الخادم ، وسأله ، فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه . فقال : هات الغوالي كلها ، فأحضرت الحباب كلها ، فجعل يخرج من كل حب ، مائة مثقال ، وخمسين ، وأقل ، وأكثر ، فيشمه ويفرقه على من بحضرته ، حتى انتهى إلى حب الواثق ، فاستطابه . فقال : هاتم عتيدة . فجاءوه بعتيدة ، وكانت عتيدة المكتفي بعينها ، ورأى الحب ناقصا ، والعتيدة فيها قدح الغالية ، ما استعمل منه كثير شيء . فقال : ما السبب في هذا ؟ فأخبرته بالخبر على شرحه ، فأخذ يعجب من بخل الرجلين ، ويضع منهما بذلك . ثم قال : فرقوا الحب بأسره على الجواري ، فما زال يخرج منها أرطالا ، وأنا أتمزق غيظا ، وأذكر حديث العنب ، وكلام مولاي المعتضد ، إلى أن مضى قريب من نصف الحب . فقلت له : يا مولاي ، إن الغالية أطيب الغوالي وأعتقها ، ولا يعتاض منها ، فلو تركت منها لنفسك ، وفرقت الباقي من غيرها كان أولى . قال : وجرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد ، فاستحى مني ، ورفع الحب . فما مضت إلا سنتين من خلافته ، حتى فنيت تلك الغوالي ، واحتاج إلى أن عجن غالية بمال عظيم .
مخ ۱۹۷