وصورة جواب صاحب الترجمة أشرف ما صدر في الرسائل، وأتحف ما قدم في الوسائل، ما يود أن يكون له حور العين حبرا، وما تغار من رقه درر البحور، في النحو لما طلع في سماء الفخار بدرا، أعني جد من فاض جوده فعم وأسبل جزيل المنح والنعم، والصلاة والسلام الذين ختامهما مسك ومزاجهما من تسنيم على سيدنا محمد وآله وصحبه وتابعي منواله، والسلام الذي يخجل نور زهر البروج، ويندي بنور زهر المروج، مشفوعا بلطائف التحيات، ونوامي البركات، ما غردت ذات جناح، وأسفر من غسق صباح، نخص خلاصة الأماجد والأكارم، وقدوة ذوي المفاخر والمكارم الخ.
قلت: وأول رحلة رحلها شيخنا صاحب الترجمة إلى (مكة) [المشرفة] سنة ستين ومائة وألف ووصل إليها أيام الحج وسكن بها سنة ثم رحل [إلى] المدينة، وبقي بها سنة ثم عاد للحج ورجع إلى صنعاء فاتصل بالبدر الأمير(1)، وقرأ عليه الكثير من مؤلفاته، ووقع بينهما من المودة والمصافاة مالا يكاد يكون بين أحد، وكان البدر يفتخر به ويعظمه كثيرا ويراجعه في المشكلات ويفضله في العلم على جميع من شاهد من علماء الشام واليمن، بل وفضله على نفسه في رسوخ الملكة في علوم الآلات والمعقول في شدة الذكاء وحسن الصناعة، وكان البدر يتألم من فراقه كثيرا لا يكاد يصبر عنه يوما، ورأيت في بعض مؤلفات صاحب الترجمة أنه صحب البدر الأمير مدة سبع سنين لم يفارقه في أكثرها ليلا ولا نهارا، وبينهما من المكاتبات ما يشنف الأسماع بدراريه فمن ذلك ما كتبه صاحب الترجمة إلى شيخه البدر رحمه الله تعالى:
قسما بهم وبغيرهم لا أحلف ... لم ألق بحرا قط مثلك يوصف
فليجرين ما شاء فلك بلاغة ... في يم فضلك من لفضل تعرف
وقفا عليك فلات يمين تذكر ... لمعاهد فيها الأغن الأهيف
كالغض أثمر بدرا تم فوقه ... من شعره الوجعي ليل أغطف
لم أنسه أفديه يوم وداعه ... وبه كما بي زفرة تتضعف
مخ ۱۶۵