617

مروج الذهب او معدن جواهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين نزل المعتضد تكريت، وسار الحسين بن حمدان في الأولياء لحرب هارون الشاري، فكانت بينهم حرب عظيمة كانت للحسين بن حمدان عليه، فأتى به المعتضد أسيرا بغير أمان، ومعه أخوه فدخل المعتضد بغداد، وقد نصبت له القباب، وزينت له الطرقات، وعبأ المعتضد بالله جيوشه بباب الشماسية أحسن ما يكون من التعبئة وأكمل هيئة، فاشتقوا بغداد إلى القصر المعروف بالحسني، ثم خلع المعتضد على الحسين بن حمدان خلعا شرفه بها، وطوقه بطوق من ذهب، وخلع على جماعة من فرسانه ورؤساء أصحابه وأهله، وشهرهم في الناس كرامة لما كان من فعلهم وحسن بلائهم، ثم أمر بالشاري فأركب فيلا وعليه دراعة ديباج، وعلى رأسه برنس خز طويل، وخلفه أخوه على جمل فالج وهو ذو السنامين، وعليه دراعة ديباج وبرنس خز، وسيرهما في أثر الحسين بن حمدان وأصحابه، ثم دخل المعتضد في أثره عليه قباء أسود وقلنسوة محدودة على فرس صناي عن يساره أخوه عبد الله بن الموفق، وخلفه بدر غلامه، وأبو القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب وزيره وابنه القاسم بن عبيد الله، فأكثر الناس الدعاء له، وتكاثف الناس في منصرفهم من الجانب الشرقي إلى الغربي، فأنخسف بهم كرسي الجسر الأعلى، وسقط على زورق مملوء ناسا، فغرق في هذا اليوم نحو من ألف نفس ممن عرف عون من لم يعرف، واستخرج الناس من دجلة بالكلاليب وبالغاصة، وارتفع الضجيج، وكثر الصراخ من الجانبين جميعا، فبينما الناس كذلك إذ أخرج بعض الغاصة صبيا عليه حلى فاخرة من ذهب وجوهر، فبصر به شيخ من النظارة طرار، فجعل يلطم وجهه حتى أدمى أنفه، ثم تمرغ في التراب، وأظهر أنه ابنه، وجعل يقول: يا سيدي، لم تمت إذ أخرجوك صحيحا سيويا لم يأكلك السمك، ولم تمت، حبيبي ليتني كحلت عيني بك مرة قتل الموت، وأخذه فحمله على حمار ثم مضى به، فما برح القوم الذين رأوا من الشيخ ما رأوا حتى أقبل رجل معروف باليسار مشهور من التجار حين بلغه الخبر وهو لا يشك إلا أن الصبي في أيديهم، وليس يهمه ما كان عليه من حلى وثياب، وإنما أراد أن يكفنه ويصلي عليه ويدفنه، فخبره الناس بالخبر، فبقي هو ومن معه من التجار متعجبين مبهوتين، وسألوا عنه واستبحثوا، فإذا لا عين ولا أثر ، وعرف توابو هذا الجسر هذا الشيخ المحتال فأيأسوا أبا الغريق منه، وذكروا أنه شيخ قد أعياهم أمره وحيرهم كيده، وأنه بلغ من حيله وخبثه ودهائه أنه أتى يوما من أول الصباح إلى باب بعض العدول الكبار المشهورين بالرياسة واليسار ومعه جرة فارغة قد حملها على عاتقه وفأس وزنبيل، فقام في ثوب خلق، ولم يتكلم حتى وضع الفأس في الدكاكين التي على باب ذلك العدل فهدمها، وجعل ينقي الآجر ويعزله، فسمع ذلك العدل بهدمها، ووقع الفأس والهدم، فخرج لينظر فإذا الشيخ دائب يهدم دكاكينه التي على باب داره، فقال: يا عبد الله، أي شيء تصنع؟ ومن أمرك بهذا. فجعل الشيخ يعمل عمله، ولا يلتفت إلى العدل، ولا يكلمه، فاجتمع الجيران وهما في المحاورة، فأخذوا بيد الشيخ، فوكزه هذا، ودفعه هذا، فالتفت إليهم، فقال: مالكم؟ ويلكم!! أي شيء تريدون مني. أما تستحون. تعبثون بي وأنا شيخ كبير.! فقالوا: ما لنا والعبث بك؟ ويحك!! من أمرك بهذا؟ قال: ويحكم!! أمرني صاحب الدار، فقالوا: هذا صاحب الدار يكلمك، قال: لا والله ما هو هذا، فلما سمعوا كلامه وغفلته رحموه، وقالوا: هذا مجنون أو مخدوع خدعه بعض جيران هذا العدل ممن قد حسده على ما أنعم الله تعالى به عليه، وهم الذين حملوا هذا الشيخ على هذا الفعل؛ فلما منعوه من الهدم مضى إلى الجرة التي جاء بها - وقد كان وضعها إلى جانب الباب - فأدخل يده فيها كأنه خبأ ثيابه بها، فصرخ وبكى، فلم يشك العدل أن محتالا خدعة وأخذ ثيابه، فقال: وأي شيء ذهب لك. قال: قميص جديد اشتريته أمس وملحفة لبيتي وسراويل، فرقوا له جميعا، ودعاه العدل فكساه ووهب له دراهم كثيرة، ووهب له الجيران دراهم كثيرة، وانصرف غانما، وهذا الشيخ كان يعرف بالعقاب، ويكنى بأبي الباز، وله أخبار عجيبة وحيل لطيفة وهو الذي احتال للمتوكل، حين بايعه بختيشوع الطبيب أنه إن سرق من داره شيئا يعرفه في ثلاث ليال ذكرت من ذلك الشهر فعليه أن يحمل إلى خزانة أمير المؤمنين عشرة آلاف دينار، وإن خرجت هذه الليالي ولم يتم عليه ما ذكرنا فله الضيعة المعين ذكرها في المبايعة، فأتي بهذا الشيخ في عنفوان شبابه إلى المتوكل، فضمن للمتوكل أن يأخذ من دار بختيشوع شيئا لا ينكره، وقد كان بختيشوع حرس داره وحصنها في هذه الليالي، فاحتال هذا الشيخ المعروف بالعقاب بحيل لطيفة إلى أن سرق بختيشوع وجعله في صندوق وأتى به المتوكل، في خبر ظريف، وأنه رسول لعيسى ابن مريم نزل إلى بختيشوع بشمع أسرجه وتخليط عمله وبنج في طعام اتخذه أطعمه لحراس داره في تلك الليلة، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا أخبار الزمان وهذا الشيخ قد برز في مكايده وما أورده من حيله على دالة المحتالة وغيرها من سائر المكارين والمحتالين ممن سلف وخلف منهم.مل إلى خزانة أمير المؤمنين عشرة آلاف دينار، وإن خرجت هذه الليالي ولم يتم عليه ما ذكرنا فله الضيعة المعين ذكرها في المبايعة، فأتي بهذا الشيخ في عنفوان شبابه إلى المتوكل، فضمن للمتوكل أن يأخذ من دار بختيشوع شيئا لا ينكره، وقد كان بختيشوع حرس داره وحصنها في هذه الليالي، فاحتال هذا الشيخ المعروف بالعقاب بحيل لطيفة إلى أن سرق بختيشوع وجعله في صندوق وأتى به المتوكل، في خبر ظريف، وأنه رسول لعيسى ابن مريم نزل إلى بختيشوع بشمع أسرجه وتخليط عمله وبنج في طعام اتخذه أطعمه لحراس داره في تلك الليلة، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا أخبار الزمان وهذا الشيخ قد برز في مكايده وما أورده من حيله على دالة المحتالة وغيرها من سائر المكارين والمحتالين ممن سلف وخلف منهم.

الكيمياء

ولطلاب صنعة الكيمياء من الذهب والفضة وأنواع الجوهر من اللؤلؤ وغيره وصنعة أنواع الإكسيرات من الإكسير المعروف بالفرار وغيره وإقامة الزئبق وصنعته فضة وغير ذلك من خدعهم وحيلهم في القرع والمغناطيس والتقطير والتكليس والبوادق والحطب والفحم والمنافخ أخبار عجيبة وحيل في هذا المعنى قد أتينا على ذكرها ووجوه الخدع فيها وكيفية الاحتيال بها في كتابنا أخبار الزمان وما ذكروه في ذلك من الأشعار، وما عزوه إلى من سلف من اليونانيين والروم، مثل قلموبطرة الملكة، ومارية، وما ذكره خالد بن يزيد بن معاوية في ذلك، وهو عند، أهل هذه الصنعة من المتقدمين فيهم، في شعره الذي يقول فيه:

خذ الطلق مع الأشق ... وما يوجد في الطرق

وشيئا يشبه البرقا ... فدبره بلا حرق

فإن أحببت مولاكا ... فقد سودت في الخلق

وقد صنف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي رسالة في ذلك، وجعلها مقالتين يذكر فيها تعذر فعل الناس لما انفردت الطبيعة بفعله، وخدع أهل هذه الصناعة وحيلهم، وترجم هذه الرسالة بإبطال دعوى المدعين صنعة الذهب والفضة من غير معادنها، وقد نقض هذه الرسالة على الكندي أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الفيلسوف صاحب الكتاب المنصوري في صناعة الطب الذي هو عشر مقالات، وأرى القول أن ما ذكره الكندي فاسد، وأن ذلك قد يتأتى فعله، ولأبي بكر بن زكريا في هذا المعنى كتب قد صنفها، وأفرد كل واحد منها بنوع من الكلام في هذه الصنعة في الأحجار المعدنية والشعر وفي ذلك من كيفية الأعمال، وهذا باب قد تنازع الناس فيه من فعل قارون وغيره، ونحن نعوذ بالله من التهوس فيما يخسف الدماغ، ويذهب بنور الأبصار، ويكسف الألوان من بخار التصعيدات ورائحة الزاجات وغيرها من الجمادات.

جيش بن خمارويه وأصحابه

مخ ۱۵۰