مروج الذهب او معدن جواهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وذكر صالح بن علي الهاشمي قال: حضرت يوما من الأيام جلوس المهتدي للمظالم، فرأيت من سهولة الوصول إليه ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي فيما يتظلم به إليه ما استحسنته، فأقبلت أرمقه ببصري إذا نظر في القصص، فإذا رجع طرفه إلي أطرقت، فكأنه علم ما في نفسي، فقال لي: يا صالح، أحسب أن في نفسك شيئا تحب أن تذكره، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأمسك، فلما فرغ من جلوسه أمرني أن لا أبرح ونهض فجلست جلوسا طويلا، ثم دعاني فدخلت إليه وهو على حصير الصلاة، فقال لي: يا صالح، أتحدثني بما في نفسك أو أحدثك به. قلت: بل هو من أمير المؤمنين أحسن، فقال: كأني بك قد استحسنت ما رأيت من مجلسنا، فقلت: أي حليفة إن لم يكن يقول بخلق القرآن، فقلت: نعم، فقال: قد كنت على ذلك برهة من الدهر حتى أقدم على الواثق شيخ من أهل الفقه والحديث من أهل أذنه من الثغر الشامي مقيد طوال، حسن الهيئة، فسلم عليه غير هائب، ودعا فأوجز، فرأيت الحياء منه في حماليق عين الواثق والرحمة له، فقال له: يا شيخ أجب أبا عبد الله أحمد بن أبي دؤاد فيما يسألك عنه، فقال:. يا أمير المؤمنين، أحمد يقل ويضعف عن المناظرة، فرأيت الواثق قد صار في مكان الرقة والرحمة له غضبا، فقال له: أبو عبد الله يضعف عن المناظرة؛ فقال له: هون عليك يا أمير المؤمنين، أتأذن في كلامه؟ فقال له الواثق: قد أذنت لك، فأقبل الشيخ على أحمد فقال له: يا أحمد ماذا دعوت الناس إليه؟ فقال: إلى القول بخلق القرآن، فمال الشيخ: مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها من القول بخلق القرآن، داخلة في الدين فلا يكون الدين تاما إلا بالقول بها. قال: نعم، قال الشيخ: رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إليها أو تركهم. قال: تركهم، قال: فعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يعلمها؟ قال: علمها، قال: فلم دعوت الناس إلى ما يدعهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم منه؟ فأمسك أحمد، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، هذه واحدة، ثم قال له بعد ساعة: يا أحمد، قال الله في كتابه العزيز: " اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا " فقلت أنت: لا يكون الدين تاما إلا بمقالتكم بخلق القرآن، فالله أصدق في إكماله وإتمامه أو أنت في نقصانك؟ فأمسك، قال الشيخ: يا أمير المؤمنين وهذه ثانية، ثم قال له بعد ساعة: أخبرني يا أحمد عن قول الله عز وجل في كتابه: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " الآية فمقالتك هذه التي دعوت الناس إليها بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة أم لا؟ فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، وهذه ثالثة، ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا أحمد لما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها وإلى القول بها من خلق القرآن أوسعه أن أمسك عنهم أم لا؟ قال أحمد: بل اتسع له ذلك، فقال: وكذلك لأبي بكر وعمر، وكذلك لعثمان، وكذلك لعلى، رضي الله عنهم! قال: نعم، فصرف وجهه إلى الواثق وقال: يا أمير المؤمنين، وإذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه فلا وسع الله عينا، فقال الواثق: نعم لا وسع الله علينا إن لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، ثم قال الواثق: اقطعوا قيده، فلما فكوا قيده عنه جاذب عليه، فقال الواثق: دعوه، ثم قال للشيخ: لم جاذبت عليه. قال: لأني عقدت في نيتي أن أجاذب عليه، فإذا أخذته أوصيت أن يجعل بين كفني وبدنى حتى أقول: يا رب، سل عبدك هذا لم قيدني ظلما وأراع في أهلي، فبكى الواثق، وبكى الشيخ وكل من حضر، ثم قال له الواثق: يا شيخ، اجعلني في حل فقال: يا أمير المؤمنين، ما خرجت من منزلي حتى جعلتك في حل إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولقرابتك منه، فتهلل وجه الواثق وسره، ثم قال له: أقم عندي آنس بك، فقال: مكاني في ذلك الثغر أنفع، أنا شيخ كبير، ولي حاجة، قال: سل ما بدا لك، قال: يأذن أمير المؤمنين لي في الرجوع إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم، قال: قد أذنت لك، وأمر له جائزة، فلم يقبلها، فرجعت من ذلك الوقت عن تلك المقالة. وأحسب أن الواثق رجع عنها. قال: وعرض على المهتدي يوما دفاتر خزائن الكتب، فإذا على ظهر كتاب منها هذه الأبيات قالها المعتز بالله وكتبها بخصها، وهي:
إني عرفت علاج الطب من وجعي ... وما عرفت علاج الحب والخدع
جزعت للحب، والحمى صبرت لها ... إني لأعجب من صبري ومن جزعي
من كان يشغله عن إلفه وجع ... فليس يشغلني عن حبكم وجعي
وما أمل حبيبي ليتني أبدا ... مع الحبيب ويا ليت الحبيب معي
فقطب وجه المهتدي بالله، وقال: حدث وسلطان الشباب، وكان المهتدي كثيرا ما ينشد البيت الأول من هذا الشعر.
خبر نوف عن علي بن أبي طالب
وذكر محمد بن علي الربعي - وكان ممن يكثر ملازمة المهتدي وكان حسن المجلس، عارفا بأيام الناس وأخبارهم - قال: كنت أبايت في الليالي المهتدي فقال لي ذات ليلة: أتعرف خبر نوف الذي حكاه عن علي بن أبي طالب حين كان يبايته؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، ذكر نوف قال: رأيت عليا رضي الله عنه ليلة قد أكثر الخروج والدخول والنظر إلى السماء، ثم قال لي: يا نوف، أنائم أنت؟ قال: قلت: بل رامق أرمق بعيني منذ الليلة يا أمير المؤمنين، فقال لي: يا نوف، طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، اولئك قوم اتخذوا أرض الله بساطا، وترابها ثيابا، وماءها طيبا، والكتاب شعارا، والدعاء في دثارا، ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح ابن مريم عليه السلام، يا نوف، إن الله تعالى أوحى إلى عبده عيسى عليه السلام أن قل لبني إسرائيل ألا يدخلوا إلي إلا بقلوب وجلة، وأبصار خاشعة، وأكف نقية، وأعلمهم أني لا أجيب لأحد منهم دعوة ولأحد من خلقي قبلهم مظلمة. قال محمد بن علي الربعي: فوالله لقد كتب المهتدي هذا الخبر بخطه، وقد كنت أسمعه في جوف الليل وقد خلا بربه في بيت كان لخلوته وهو يبكي ويقول: يا نوف، طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، ويمر في الخبر إلى آخره، إلى أن كان من أمره ما كان مع الأتراك وقتلهم إياه.
علة حب الدنيا
قال محمد بن علي: قلت للمهتدي ذات يوم - وقد خلوت به، وقد أكثرنا من ذكر آفات الدنيا ومن رغب فيها، ومن انحرف عنها وزهد فيها - : يا أمير المؤمنين، ما للإنسان العاقل المميز مع علمه بجميع آفات الدنيا وسرعة إنتقالها وزوالها وغرورها لطلابها يحبها ويأنس إليها؟ قال المهتدي: حق ذلك له، منها خلق فهي أمة، وفيها نشأ فهي عيشه، ومنها قدر رزقه فهي حياته، وفيها يعاد فهي كفانه، وفيها اكتسب الجنة فهي مبدأ سعادته، والدنيا ممر الصالحين إلى الجنة، فكيف لا يحب طريقا تأخذ بسالكها إلى الجنة في نعيم مقيم خالدا مخلدا إن كان من أهلها.!.
وقيل: إن هذا الكلام في جواب علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وأجاب به سائلا سأله عن ذلك، وهو مأخوذ من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين مدح الدنيا وذم الذام لها ، على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب ذكر زهده وأخباره.
خروج صاحب الزنج بالبصرة
مخ ۱۲۲