مروج الذهب او معدن جواهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
يلحظني في جده وهزله ... يعجب من تعجبي من بخله لحظ الأسير حلقات كبله ... حتى كأني جئته بعذله
يا واحدا منفردا بعدله ... أكسبتك المال فلا تمله
ما يصنع الغمد بغير نصله ... والمدح إن لم يك عند أهله
فقال لابنه: أكتبها، فكتبها على ظهر كتاب من كتبه، فقال له: جعلت فداك! إنها لأبي تمام، فقال: خرق خرق.
وهذا من ابن المدبر قبيح مع علمه، لأن الواجب أن لا يدفع إحسان محسن عدوا كان أو صديقا، وأن تؤخذ الفائدة من الوضيع والرفيع، فقد روي عن أمير المؤمنين على أنه قال: الحكمة ضالة المؤمن؛ فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك. وقد ذكر عن بزرجمهر بن البختكان - وكان من حكماء الفرس، وقد قدمنا ذكره فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار ملوك ساسان وهم الفرس الثانية. أنه قال: أخذت من كل شيء أحسن ما فيه، حتى من الكلب والهرة والخنزير والغراب، قيل له: ما أخذت من الكلب؟ قال: إلفه لأهله، وذبه عن صاحبه ، قيل: فما أخذت من الغراب؟ قال: شدة حذره، قيل: فمن الخنزير؟ قال: بكوره في حوائجه، قيل: فمن الهرة؟ قال: حسن نغمتها وتملقها لأهلها عند المسألة.
ومن عاب مثل هذه الأشعار التي ترتاح لها القلوب، وتحرك بها النفوس، وتصغي إليها الأسماع، وتشحذ بها الأذهان، ويعلم كل من له قريحة وفضل ومعرفة أن قائلها قد يبلغ في الإجادة أبعد غاية وأقصى نهاية، فإنما غض من نفسه، وطعن على معرفته واختياره.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: الهوى إله معبود، واحتج بقوله تعالى: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه " .
ولأبي تمام أشعار حسان، ومعان لطاف، واستخراجات بديعة.
وحكي عن بعض العلماء بالشعر أنه سئل عن أبي تمام، فقال: كأنه جمع شعر العالم، فانتخب جوهره، وقد كان أبو تمام ألف كتابا وسماه: الحماسة وفي الناس من يسميه كتاب الخبية انتخب فيه شعر الناس ظهر بعد وفاته.
وقد صنف أبو بكر الصولي كتابا جمع فيه أخبار أبي تمام وشعره وتصرفه في أنواع علومه ومذاهبه، واستدل الصولي على ما وصف عن أبي تمام بما يوجد من شعره، من ذلك قوله في صفة الخمر:
جهمية الأوصاف، إلا أنهم ... قد لقبوها جوهر الأشياء
وقد رثته الشعراء بعد وفاته، والأدباء من إخوانه: منهم الحسن بن وهب الكاتب، وكان شاعرا ظريفا له حظ في المنثور والمنظوم، فقال:
سقى بالموصل الجدث الغريبا ... سحائب ينتحبن له نحيبا
إذا أطللنه أطللن فيه ... شعيب المزن يتبعها شعيبا
ولطمت البروق له خدودا ... وشققت الوعود له جيوبا
فإن تراب ذاك القبر يحوي ... حبيبا كان يدعى لي حبيبا
لبيبا شاعرا فطنا أديبا ... أصيل الرأي في الجلى أريبا
إذا شاهدته رواك فيما ... يسرك رقة منه وطيبا
أبا تمام الطائي، إنا ... لقينا بعدك العجب العجيبا
فقدنا منك علقا لا ترانا ... نصيب له مدى الدنيا ضريبا
وكنت أخا لنا أبلى إلينا ... ضمير الود والنسب القريبا
فلما بنت كدرت الليالي ... قريب الدار والأقصى الغريبا
وأبدى الدهر أقبح صفحتيه ... ووجها كالحا قطريا
فأحر بأن يطيب الموت فيه وأحر بعيشنا أن لا يطيبا
وللحسن أشعار حسان ومعان جياد؛ منها قوله:
أبت مقلتاك لفرط الحزن ... عليك الرقاد وبرد الوسن
وحق لعيني أن لا تناما ... وقلبك مختلس مرتهن
وبين الجوانح داء دفين ... لعمرك مستتر قد كمن
نجي الهموم وقرن الكلوم ... ووهي الحلوم وبعد الوطن
شديد النفار، كثير العثار ... خليع العذار يجر الرسن
أفي كل يوم تطيل الوقوف ... تناجي الديار وتبكي الدمن؟
وتستخير الدار عن أهلها ... وتذري الدموع على من ظعن
مخ ۷۰