مروج الذهب او معدن جواهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
إنما همتهم أن ... يظهروا ما قد دفنا وأمر الرشيد من ساعته ياسرا خادمه المعروف برخلة فقال له: إني أندبك لأمر ما أرى محمدا ولا القاسم له أهلا ولا موضعا، ورأيتك به مستقلا ناهضا، فحقق ظني، واحذر أن تخالف أمري فيكون ذلك سببا لسقوط منزلتك عندي وفساد حالك لدي فقال: يا أمير المؤمنين، لو أمرتني أن أدخل السيف في بطني وآخرجه من ظهري بين يديك لفعلت، فمرني بأمرك فإني والله مسرع، فقال: ألست تعرف جعفر بن يحيى البرمكي؟ قال: يا أمير المؤمنين وهل أعرف سواه، أو ينكر مثل جعفر؟ قال: ألم تر تشييعي إياه عند خروجه؟ قال: بلى، قال: فامض الساعة إليه فأتني برأسه على أي حالة تجلى عليها، فأرتج على ياسر الكلام وأخذته رعدحة ووقف لا يحير جوابا، فقال: يا ياسر، ألم أتقدم إليك بترك الخلاف علي؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن الخطب أجل من ذلك، والأمر الذي ندبني إليه أمير المؤمنين وددت لو أني كنت مت قبل أن يجري على يدي منه شيء فقال: دع عنك هذا وامض لما قد أمرتك فمضى ياسر حتى دخل على جعفر وهو على حال لهوه، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أمرني فيك بكيت وكيت، فقال جعفر: إن أمير المؤمنين يمازحني بأصناف من المزاح فأحسب أن هذا جنس منه، فقال: والله ما رأيته إلا جادا، قال: فإن يكن الأمر كما قلت فهو إذا سكران، قال: لا والله ما افتقدت من عقله شيئا، ولا ظننته شرب نبيذا في يومه مع ما رأيت من عبادته، قال له: فإن لي عليك حقوقا لم تجد لها مكافأة في وقت من الأوقات إلا هذا الوقت، قال: تجدني إلى ذلك سريعا إلا فيما خالف أمير المؤمنين، قال: فارجع إليه فأعلمه أنك قد نفذت ما أمرك به فإن أصبح نادما كانت حياتي على يديك جارية، وكانت لك عندي نعمة مجددة، وان أصبح على مثل هذا الرأي نفذت ما أمرت به في غد، قال : ليس إلى ذلك سبيل، قال: فأصبر معك إلى مضرب أمير المؤمنين حتى أقف بحيث اسمع كلامه ومراجعته أياك، فإذا ابديت عذرا ولم يقنع إلا بمصيرك إليه برأسي خرجت فأخذت رأسي من قرب، قال له: أما هذا فنعم، فمضيا جميعا إلى مضرب الرشيد فدخل إليه ياسر فقال: قد أخذت رأست، يا أمير المؤمنين، وها هو ذا بالحضرة، فقال له: ائتني به وإلا والله قتلتك قبله، فخرج فقال له: أسمعت الكلام، قال: فشأنك وما أمرت به، فأخرج جعفر من كمه منديلا صغيرا فعصب به عينيه ومد رقبته فضربها ياسر وأدخل رأسه إلى الرشيد فلما رأى الرأس بين يديه أقبل عليه، وجعل يذكره بذنوبه، ثم قال: يا ياسر ائتني بفلان وبفلان، فلما أتى بهم قال لهم: اضربوا عنق ياسر، فإني لا أقدر أن أنظر إلى قاتل جعفر.
وقال الاصمعي: وجه إلي الرشيد في تلك الليلة، فلما أدخلت إليه قال: يا أصمعي، قد قلت شعرا فأسمعه، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأنشد:
لو ان جعفر هاب أسباب الردى ... لنجا بمهجته طمرملجم
ولكان من حذر المنون بحيث لا ... يسمو إليه به العقاب القشعم
لكنه لما تقارب وقته ... لم يدفع الحدثان عنه منجم
مدة سلطان البرامكة ورثاء الشعراء لهم
قال الأصمعي: ورجعت إلى منزلي فلم أصل إليه حتى تحدث الناس بقتل جعفر، وأصيب على باب قصر علي بن عيسى بن ماهان بخراسان في صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفروأوقع بالبرامكة مكتوب بقلم جليل:
إن المساكين بنو برمك ... صبت عليهم غيرالدهر
إن لنا في أمرهم عبرة ... فليعتبرساكن ذا القصر
قال المسعودي: وكان مدة دولة البرامكة وسلطانهم وأيامهم النضرة الحسنة من استخلاف هارون الرشيد إلى أن قتل جعفر بن يحيى بن خالد ابن برمك سبع عشرة سنة وسبعة أشهروخمسة عشريوما، وقد رثتهم الشعراء بمراث كثيرة، وذكرت أيامهم فمن ذلك قول علي بن أبي معاذ:
يا أيها المغتر بالدهر ... والدهر ذو صرف وذو غدر
لا تامن الدهر وصولاته ... وكن من الدهر على حذر
إن كنت ذا جهل يتصريفه ... فانظر إلى المصلوب بالجسر
مخ ۱۸