مروج الذهب او معدن جواهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
سخنة في الشتاء، باردة في ال ... صيف، بدز في الليلة الظلماء فرفع الأسود رأسه إلي، وقال: أيما أحب إليك: إن أسقيك ماء،وحده أو ماء وسويقا، قلت: الماء والسويق، فآخرج قعبا له فصب السويق في القدح فسقاني، وأقبل يضرب بيده على رأسه وصدره، ويقول: واحر صدراه، وانارات اللهب في فؤادي، يا مولاي زدني وأنا ازيدك، وشربت السويق، ثم قال لي: يا مولاي، إن بينك وبين الطريق أميالا،ولست أشك إنك تعطش، لكن أملأ قربتي هذه واحملها قدامك، فقلت: افعل قال: فملأ قربته وسار قداأمي وهو يحجل في مشيته غير خارج عن الإيقاع، فإذا أمسكت لاستريح أقبل علي فقال: يا مولاي، أما عطشت، فأغنيه النصب، إلى إن أوقفني على الجادة، ثم قال لي: سر رعاك الله ولا سلبك ما كساك من هذه النعم، بكلام عجمي معناه هذا الدعاء، ضقت بالقافلة والرشيد كان قد فقدني، وقد بث البخت والخيل في البر يطلبونني، فسر بي حين رأني، فأتيته، فقصصت عليه الأمر، فقال: علي بأسود، فما كان إلا هنيهة حتى مثل بين يديه، فقال له: ويلك!! ما حر صدرك، فقال: يا مولاي ميمونة، قال: ومن ميمونة؟ قال: بنت حبشية، قال: ومن حبشية؟ قال: بنت بلال يا مولاي، فأمر من يستفهمه، فإذا الأسود عبد لبني جعفر الطيار، وإذا السوداء التي يهواها لقوم من ولد الحسن بن علي، فأمر الرشيد بابتياعها له، فأبى مواليها أن يقبلوا لها ثمنا، ووهبوها للرشيد، فاشترى الأسود وأعتقه، وزوجه منها، ووهب له من ماله بالمدينة حديقتين وثلثمائة دينار.
ودخل ابن السماك على الرشيد يوما وبين يديه حمامة تلتقط حبا، فقال له: صفها وأوجز، فقال: كأنما تنظر من ياقوتتين، وتلتقط بدرتين، وتطأ على عقيقتين، وأنشدونا لبعضهم:
هتفت هاتفة آ ... ذنها ألف ببين
ذات طوق مثل ع ... طف السنون أقنى الطرفين
وتراها ناظرة ... نحوك من ياقوتتين
ترجع الأنفاس من ث ... قبين كاللؤلؤتين
وترى مثل الب ... ساتين لها قادمتين
ولها لحيان كالصد ... غين من عرعرتين
ولها ساقان حمرا ... وان متل الوردتين
نسجت فوق جناح ... يها لها برنوستين
وهي طاووسية ال ... لون بنان المنكبين
تحت ظل من ظلال الأي ... ك صافي الكتفين
فقدت إلفا فناجت ... من تباريح وبين
فهي تبكيه بلا دم ... ع جمود المقلتين
وهي لاتصبغ عينا ... ها كما تصبغ عيني
بين الرشيد ومعن بن زائدة
ودخل معن بن زائدة على الرشيد وقد كان وجد عليه، فمشى فقارب الخطو فقال له هارون: كبرت والله يا معن، قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين قال: وإن فيك على ذلك لبقية، قال: هي لك يا أمير المؤمنين، قال: وإنك لجلد، قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين. فرضي عنه وولاه.
قال: وعرض كلامه هذا على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة فقال: ويح هذا ا! ما ترك لربه شيئا.
وقال الرشيد يوما لمعن بن زائدة: إني قد أعددتك لأمر كبير، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعد لك مني قلبا معقودا بنصيحتك، ويدا مبسوطة بطاعتك، وسيفأ مشحوذا على عدوك، فإن شئت فقل، وقيل: إن هذا الجواب من كلام يزيد بن مزيد.
بين الرشيد والكسائي
مخ ۳