مروج الذهب او معدن جواهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وقد كان خرج في أيام عمر شوذب الخارجي، وقوي أمره فيمن خرج معه من المحكمة من ربيعة وغيرها، فحدث عباد بن عباد المهلبي، عن محمد بن الزبير الحنظلي، قال: أرسلني عمر إليهم، وأرسل معي عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان خروجهم بالجزيرة، وكتب عمر معنا إليهم كتابإ، فأتيناهم كتابه ورسالته، فبعثوا معنا رجلين منهم أحدهما من بني شييان والأخر فيه حبشية وهو أحدهما لسانا وعارضة، فقدمنا بهما على عمر بن عبد العزيز وهو بخناصرة، فصعدنا إليه إلى غرفة هو فيها ومعه ابنه عبد الملك وكاتبه مزاحم، فذكرنا مكانهما، فقال: فتشوهما لئلا يكون معهما حديد، ففعلنا، فلما دخلا قالا: السلام عليك، ثم جلسا، فقال لهما عمر: أخبر إني ما الذي أخرجكم مخرجكم هذا، وما نقمتم علينا، فتكلم الذي فيه حبشية فقال: والله ما نقمنا عليك في سيرتك، وإنك تجري بالعدل والإحسان، ولكن بيننا وبينك أمر إن أنت أعطيتناه فنحن منك وأنت منا، وإن منعتناه فلست منا ولسنا منك، فقام عمر: وما هو. قال: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك، وسميتها المظالم، وسلكت غير سبيلهم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلال فالعنهم وتبرأ منهم، فهذا الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق، فتكلم عمر فقال: إني قد علمت أنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لدنيا، ولكن أردتم الآخرة وأخطأتم طريقها، وإني سائلكم عن أمور، فبالله لتصدقنني عنها، أرأيتما أبا بكر وعمر، أليسا من أسلافكم وممن تتولونهما وتشهدون لهما بالنجاة، قالا: بلى، قال: فهل علمتم أن أبا بكر حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم و ارتدت العرب قاتلهم فسفك الدماء وأخذ الأموال وسبى الذراري. قال: نعم، قال: فهل علمتم أن عمر حين قام بعد أبي بكر در تلك السبايا إلى أصحابها. قال: نعم، قال: فهل برىء عمر من أبي بكر؟ قالا: لا، قال: أفرأيتم أهل النهروان، أليسوا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهم بالنجاة، قالا: بلى، قال: فهل علمتم أن أهل الكوفة حين خرجوا إليهم كفوا أيديهم فلم يسفكوا دما ولم يخيفوا آمنا ولم يأخذوا مالا. قالا: نعم، قال: فهل علمتم أن أهل البصرة حين خرجوا إليهم مع الشيباني وعبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه استعرضوا الناس يقتلونهم، ولقوا عبد الله بن حباب بن الأرت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلوه وقتلوا جاريته، ثم صبحوا حيا من أحياء العرب فاستعرضوهم فقتلوا الرجال والنساء والأطفال حتى جعلوا يلقوا الصبيان في قدور الأقط وهي تفور، قالا: قد كان ذلك،. قال: فهل تبرأ أهل البصرة من أهل الكوفة وأهل الكوفة من أهل البصرة. قالا: لا، قال: فهل تبرءون أنتم من إحدى الطائفتين، قالا: لا، قال: أرأيتم الدين واحدا أم اثنين. قالا: بل واحدا، قال: فهل يسعكم فيه شيء يعجز عني، قالا: لا، قال: فكيف وسعكم أن توليتم أبا بكر وعمر، وتولى أحدهما صاحبه، وتوليتم أهل البصرة وأهل الكوفة، وتولى بعضهم بعضا، وقد اختلفوا في أعظم الأشياء في الدماء والفروج والأموال، ولا يسعني فيما زعمتم إلا لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم. أرأيتم لعن أهل الذنوب فريضة مفروضة لا بد منها، فإن كانت كذلك فأخبرني أيها المتكلم متى عهدك بلعن فرعون. قال: ما أذكر متى لعنته، قال: ويحك، لم لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق ويسعني فيما زعمت لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم، ويحكم، إنكم قوم جهال، أردتم أمرا فأخطأتموه، فأنتم تردون على الناس ما قبله منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده، قالا: ما نحن كذلك، قال عمر: بل سوف تقرون بذلك الآن، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث إلى الناس وهم عبدة أوثان فدعاهم إلى خلع الأوثان وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن فعل ذلك حقن دمه، وأحرز ماله، ووجبت حرمته، وكانت له أسوة المسلمين، قالا: نعم، قال: أفلستم أنتم تلقون من يخلع الأوثان ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فتستحلوا دمه وماله، وتلقون من ترك ذلك وأباه من اليهود والنصارى وسائر الأديان فيأمن عندكم وتحرمون دمه، قال الحبشي: ما سمعت كاليوم قط حجة أبين وأقرب مأخذا من حجتك، أما أنا فأشهد أنك على الحق وأنا بريء ممن برىء منك، فقال عمر للشيباني: فأنت ما تقول، قال: ما أحسن ما قلت، وأبين ما وصفت، ولكنني لا افتأت على المسلمين بأمر حتى أعرض قولك عليهم فأنظر ما حجتهم، قال: فأنت أعلم، فانصرف، وأقام الحبشي، فأمر له عمر بعطائه، فمكث خمسة عشر يوما ثم مات، ولحق الشيباني بأصحابه فقتل معهم بعد موت عمر رحمه الله تعالى. ولعمر مع الخوارج أخبار غير ما ذكرنا، ومراسلات، ومناظرات، وكذلك لمن سلف من بني أمية وغيرهم من ولاة الأمصار، وقد أتينا على ذكرها وذكر كل من سمته الخوارج بأمير المؤمنين وخاطبته بالإمامة من الأزارقة والأباضية والحمرية والنجدات والخلقية والصفرية وغيرهم من أنواع الحرورية، وذكرنا مواضعهم من الأرض في هذا الوقت مثل من سكن منهم من بلاد شهرزور وسجستان وإصطخر من بلاد فارس وبلاد كرمان وأذربيجان،و بلاد مكران وجبال عمان وهراة من بلاد خراسان والجزيرة وتاهرت السفلى وغيرها من بقاع الأرض، في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وما ذكرنا من الرد عليهم في التحكيم، وغير ذلك في كتابنا المترجم بكتاب الانتصار المفرد لفرق الخوارج، وفي كتاب الاستبصار.
بعض شعراء الخوارج
وقد ذكرنا جماعة من شعرائهم ممن سلف من أئمتهم: من ذلك قول مصقلة بن عتبان الشيباني، وكان من علية الخوارج:
وأبلغ أمير المؤمنين رسالة ... وذو النصح إن لم يرع منك قريب
فإنك إن لاترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا سويد والبطين وقعنب ... ومنا أميرالمؤمنين شبيب
غزالة ذات النذر منا حميدة ... لها في سهام المسلمين نصيب
ولا صلح مادامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب
وكذلك ذكرنا أخبار أم شبيب، وما كانت عليه من الاجتهاد في ديانة المحكمة، وفيها يقول الشاعر:
أم شبيب ولدت شبيبا ... هل تلد الذئبة إلا ذيبا
بعض علماء الخوارج
وأخبار علمائهم كاليماني، وله كتب مصنفة في مذاهبهم، وعبد الله بن يزيد الأباضي، وأبى مالك الحضرمي، وقعنب، وغير هؤلاء من علمائهم، وقد كان اليمان بن رباب منعلية علماء الخوارج، وأخوه علي بن رباب من علية علماء الرافضة، هذا مقدم في أصحابه، وهذا مقدم في أصحابه، يجتمعان في كل سنة ثلاثة أيام يتناظران فيها، ثم يفترقان، ولا يسلم أحدهما على الاخر ولا يخاطبة، وكذلك كان جعفر بن المبشر من علماء المعتزلة وحذاقها زهادها، وأخوه حنش بن المبشر من علماء أصحاب الحديث ورؤساء الحشوية بالضد من أخيه جعفر، وطالت بينهما المناظرة والمباغضة والتباين، وآلى كل واحد منهما ألا يخاطب الآخر إلى أن لحق بخالقه، وجعفر بن المبشروجعفربن حرب من علماء البغداديين من المعتزلة، وكان عبد الله بن يزيد الأباضي بالكوفة تختلف إليه أصحابه يأخذون منه، وكان خرازا شريكا لهشام بن الحكم، وكان هشام مقدما في القول بالجسم والقول بالإمامة على مذهب القطيعية يختلف إليه أصحابه من الرافضة يأخذون عنه، وكلاهما في حانوت واحد، على ما ذكرنا من التضاد في المذهب من التشري والرفض ولم يجر بينهما مسابة، ولا خروج عما يوجبه العلم وقضية العقل وموجب الشرع وأحكام النظر والسير.
وذكر أن عبد الله بن يزيد الأباضي قال لهشام بن الحكم في بعض الأيام، تعلم ما بيننا من الموفدة ودوام الشركة، وقد أحببت أن تنكحني ابنتك فاطمة، فقال له هشام: إنها مؤمنة، فأمسك عبد الله، ولم يعاوده في شيء من ذلك، إلى أن فرق الموت بينهما.
وكان من أمر هشام مع الرشيد وابن برمك ما قد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا.
وذكر عن عمرو بن عبيد أنه يقول: أخذ عمر بن عبد العزيز الخلافة بغير حقها، ولا باستحقاق لها، ثم استحقها بالعدل حين أخذها.
الفرزدق يرثي عمر
وفي وفاة عمر رضي الله عنه يقول الفرزدق من أبيات يرثيه بها:
أقول لما نعى الناعون لي عمرا ... لقد نعيتم قوام الحق والدين
قد غيب الرامسون اليوم إذ رمسوا ... بدير سمعان قسطاس الموازين
لم يلهه عمره عين يفجرها ... ولا النخيل ولاركض البراذين
ولعمررحمة الله عليه خطب وأخبار حسان غير ما ذكرنا في هذا الكتاب، وفي الزهد وغيره، وقد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا، والحمد لله رب العالمين.
مخ ۴۳۳