مروج الذهب او معدن جواهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
فقال الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالعراق من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم فإني إليكم أحمد الله الذي لا إله إلا هو. فقال الحجاج: اسكت يا غلام، ثم قال مغضبا: يا أهل العراق يا أهل النفاق والشقاق ومساوىء الأخلاق، يا أهل الفرقة والضلال، يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون عليه السلام؟ أما والله لئن بقيت لكم لألحونكم لحو العود ولأؤدبنكم أدبا سوى هذا الأدب، هذا أدب ابن سمية - وهو صاحب شرطة كان بالعراق - اقرأ يا غلام الكتاب، فلما بلغ السلام قال أهل المسجد: وعلي أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته.
ثم نزل، وأمر للناس بأعطياتهم، والمهلب يومئذ بمهرجان قدق يقاتل ا لأزارقة.
فلما كان اليوم الثالث جلس الحجاج بنفسه يعرض الناس، فمر به عمير بن ضابىء التميمي البرجمي ثم أحد بني الحدادية وكان من أشراف أهل الكوفة، وكان من بعث المهلب، فقال: أصلح الله الأمير، ة إني شيخ كبير زمن عليل ضعيف، ولي عدة أولاد، فليختر أيهم شاء مكاني، أشدهم ظهرا، وأكرمهم فرسا، وأتمهم أداة، قال الحجاج: لا بأس بشاب مكان شيخ، فلما ولى قال له عنبسة بن سعيد ومالك بن أسماء: أصلح الله الأمير! أتعرف هذا؟ قال: لا، قالا: هو عمير بن ضابىء التميمي الذي وثب على أمير المؤمنين عثمان وهو مقتول فكسر ضلعا من أضلاعه، فقال الحجاج: علي به، فقال له: أيها الشيخ، أنت الواثب على أمير المؤمنين عثمان بعد قتله، والكاسر ضلعا من أضلاعه. فقال له: إنه كان حبس أبي شيخا كبيرا ضعيفا فلم يطلقه حتى مات في سجنه، فقال الحجاج: أما أمير المؤمنين عثمان فتغزوه بنفسك، وأما الأزارقة فتبعث إليهم بالبدلاء، أو ليس أبوك الذي يقول:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... فعلت وأوليت البكاء حلائله
أما والله إن في قتلك أيها الشيخ لصلاح المصرين، ثم أقبل يصعد بصره إليه ويصوبه ويعض على لحيته مرة وويسرحها أخرى، ثم أقبل عليه فقال: يا عمير سمعت مقالتي على المنبر. فقال: نعم، قال: والله إنه لقبيح بمثلي أن يكون كذابا، قم إليه يا غلام فاضرب عنقه، ففعل، فلما قتل ركب الناس كل صعب وذلول، وخرجوا على وجوههم يريدون المهلب، فازدحموا على الجسر حتى سقط بعض الناس في الفرات، فأتاه صاحب الجسر فقال: أصلح الله الأمير! قد سقط بعض الناس في الفرات، قال: ويحك!! ولم ذلك. قال: أهل هذا البعث ازدحموا على الجسر حتى ضاق بهم، قال: انطلق فاعقد لهم جسرين.
وخرج عبد الله. بن الزبير الأسدي مذعورا، حتى إذا كان عند اللجامين لقيه رجل من قومه يقال له إبراهيم، فقال له: ما الخبر؟ فقال ابن الزبير: الشر، قتل عمير من بعث المهلب، وأنشأ يقول:
أقول لإبراهيم لما لقيته ... أرى الأمر أمسى مهلكا متصعبا
تجهز فإما أن تزور ابن ضابىء ... عميرا، وإما أن تزور المهلبا
هما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا
فأضحى ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق أو هو أقربا
وإلا فما الحجاج مغمد سيفه ... مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
وخرج الناس هربا إلى السواد، وأرسلوا إلى أهاليهم أن زودونا ونحن بمكاننا، وقال الحجاج لصاحب الجسر: افتح ولا تحل بين أحد وبين الخروج، ووجه العراض إلى المهلب ، فما أتت على المهلب عاشرة حتى ازدحموا عليه، فقال: من هذا الذي استعمل على العراق؟ هذا والله الذكر من الرجال. فويل والله للعدو إن شاء الله تعالى.
خروج ابن الأشعث
مخ ۴۰۵