380

مروج الذهب او معدن جواهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وحدث المدائني وابن دأب أن روح بن زنباع جليس عبد الملك رأى منه إعراضا وجفوة، فقال للوليد بن عبد الملك: أما ترى ما أنا فيه من أمير المؤمنين بإعراضه عني بوجهه حتى لقد فغرت السباع بأفواهها نحوي وأهوت بمخالبها إلى وجهي. فقال له الوليد: احتل له في حديث تضحكه به كما احتال مرزبان نديم سابور بن سابور ملك فارس، قال روح: وما كان من خبره جمع الملك. قال الوليد: كان مرزبان هذا من سمار سابور فظهرت له من سابور جفوة، فلما علم ذلك تعلم نباح الكلاب، وعواء الذئاب، ونهيق الحمير، وزقاء الديوك، وشحيج البغال، وصهيل الخيل، ومثل هذا، ثم احتال حتى توصل إلى موضع يقرب من مجلس خلوة الملك وفراشه، وأخفى أثره، فلما خلا الملك نبح نباح الكلاب فلم يشك الملك أنه كلب، فقال الملك: انظروا ما هذا. فعوى عواء الذئاب، فنزل الملك عن سريره، فنهق نهيق الحمير، فمضى الملك هاربا، ومضى الغلمان يتبعون الأثر والصوت، فكلما دنوا منه ترك ذلك الصوت وأحدث صوتا آخر من أصوات البهائم، فأحجموا عنه، ثم اجتمعوا فاقتحموا عليه فأخرجوه، فلما نظروا إليه قالوا للملك: هذا مرزبان المضحك، فضحك الملك ضحكا شديدا، وقال له: ويلك!! ما حملك على هذا. قال: إن الله مسخني كلبا وذئبا وحمارا وكل خلق لما غضبت علي، فأمر الملك بالخلع عليه، ورده إلى مرتبته التي كان فيها، وتجدد للملك به سرور، فقال روح للوليد: إذا اطمأن المجلس بأمير المؤمنين فاسألني عن عبد الله بن عمر هل كان يمزح أو يسمع مزاحا؟ قال الوليد أفعل، وكان عمر صاحب سلامة لا يمزح ولا يعرف شيئا عن المزاح فتقدم الوليد وسبقه بالدخول، فتبعه روح، فلما اطمأن بهما مجلس عبد الملك قال الوليد لروح، يا أبا زرعة، هل كان ابن عمر يمزح أو يسمع المزاح؟ قال روح: حدثني ابن أبي عتيق أن امرأته عاتكة بنت عبد الرحمن المخزومية هجته فقالت:

ذهب الإله بما تعيش به ... وقمرت عيشك أيما قمر

انفقت مالك غيرمحتشم ... في كل زانية وفي الخمر

وكان ابن أبي عتيق صاحب غزل وفكاهة، فأخذ هذين البيتين في رقعة وخرج بهذا الشعر فإذا هو بابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، انظر في هذه الرقعة وأشر علي برأيك فيها، فلما قرأها عبد الله استرجع، فقال له: ما ترى فيمن هجاني بهذا الشعر، قال: أرى أن تعفو وتصفح، قال: والله يا أبا عبد الرحمن لئن لقيته بناحية لإنيكنه نيكا جيدا، فأخذت ابن عمر أفكل ورعدة واربد لونه، وقال: ما لك غضب الله عليك، قال: ما هو إلا ما قلت لك، وافترقا، فلما كان بعد أيام لقيه فأعرض عنه ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني لقيت صاحب البيتين ونكته، فصعق عبد الله بن عمر فلما رأى ما حل به دنا منه وقال له في أذنه: إنها امرأتي فقام ابن عمر فقبل ما بين عينيه وضحك،. وقال: أحسنت فزدها، فضحك عبد الملك حتى فحص برجله، وقال له: قاتلك الله يا روح، ما أطيب حديثك! ومد يده إليه، فقام إليه روح فأكب عليه وقبل أطرافه، وقال: يا أمير المؤمنين، ألذنب فأعتذر، أم لملالة فأصطبر وأرجو عاقبتها. قال: لا والله ما ذاك لشيء تكرهه، ثم عاد إلى أحسن حالاته.

عبد الملك الهمذاني وسليمان بن المنصور

مخ ۴۰۲