376

مروج الذهب او معدن جواهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

ودخل ابن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد بلغت من السن مائة سنة لم تقع لها سن، ولا ابيض لها شعر، ولم ينكر لها عقل، على حسب ما قدمنا من خبرها في هذا الكتاب، فقال: يا أمه، كيف تجدينك ؟قالت: إني لشاكية يا بني، فقال لها: إن في الموت راحة، قالت: لعلك تمناه لي، وما أحب أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك: إما قتلت فأحتسبك، وإما ظفرت فقرت عيني بك، وأوصى عبد الله بما يحتاج من أمره وأمر نساءه إذا سمعن الواعية عليه أن يضممن أمه أسماء إليهن، وكان عروة بن الزبير على رأي عمه عبد الملك بن مروان، وكانت كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج متصلة يأمره بتعاهد عروة وأن لا يسوءه في نفسه وماله، فخرج عروة إلى الحجاج، ورجع إلى أخيه فقال له: هذا خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعمرو بن عثمان بن عفان يعطيانك أمان عبد الملك على ما أحدثت أنت ومن معك، وأن تنزل أي البلاد شئت، لك بذلك عهد الله وميثاقه، وغير ذلك من الكلام، فأبى عبد الله قبول ذلك، وقالت له أمه أسماء: أي بني، لا تقبل خطة تخاف على نفسك منها مخافة القتل، مت كريما، وإياك أن تؤسر، أو تعطي بيديك، فقال: يا أمه، إني أخاف أن يمثل بي بعد القتل، فقالت: يا بني، وهل تتألم الشاة من ألم السلخ بعد الذبح؟ ودخلوا على ابن الزبير في المسجد وقت الصلاة، وقد التجأ إلى البيتوهم ينادون: يا ابن ذات النطاقين، فقال ابن الزبير متمثلا:

وغيرها الواشون إني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

ونظر إلى طائفة منهم قد أقبلوا نحوه بالسيوف، فقال لأصحابه: من هؤلاء؟ قالوا: أهل مصر، قتلة عثمان أمير المؤمنين ورب الكعبة، فحمل عليهم، فضرب رجلا منهم به أدمة فقده، وقال: صبرا يا ابن حام، وتكاثر عليه الرجال من أهل الشام ومصر، فلم يزل يضرب بهم حتى أخرجهم عن المسجد، ورجع إلى. البيت وهو يقول:

لست بمبتاع الحياة بسبة ... ولا أبتغي من رهبة الموت سلما

فاستلم الحجر، ثم تكاثروا عليه، فحمل عليهم، وهو يقول:

قد سن أصحابك ضرب الأعناق ... وقامت الحرب بنا على ساق

فأتاه حجر فصك جبينه فأدماه وأوضحه، فقال:

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا اتقطر الدما

فكشفهم عن المسجد، ورجع على من بقي من أصحابه عند البيت، فقال لهم: ألقوا أغماد السيوف، وليصون كل رجل منكم سيفه كما يصون وجهه، لا ينكسر سيف أحدكم فيقعد، ولا يسأل رجل منكم: أين عبد الله، من يسأل عني فإنني في الرعيل الأول، ثم أنشأ يقول:

يا رب إن جنود الشام قد كثروا ... وهتكوا من حجاب البيت أستارا

يارب إني ضعيف الركن مضطهد ... فابعث إلي جنودا منك أنصارا

وتكاثر أهل الشام عليه ألوفا من كل باب، فحمل عليهم، فشدخ بالحجارة، فانصرع، وأكب عليه موليان له وأحدهما يقول:

العبد يحمي ويحتمي

حتى قتلوا جميعا، وتفرق من كان معه من أصحابه، وأمر به الحجاج فصلب بمكة، وكان مقتله يوم الثلاثاء، لأربع عشرة ليلة خلت من جمادي الأولي، سنة ثلاث وسبعين.

وكلمت أسماء أمه الحجاج في دفنه، فأبى عليها، فقالت للحجاج: أشهد إني لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير فأما الكذاب فهو المختار، وأما المبير فما أظنك إلا هو " .

وسنذكر لمعا من أخبار الحجاج فيما يرد من هذا الكتاب، وإن كنا قد أتينا على مبسوطها فيما تقدم من كتبنا.

ولاية الحجاج الحجاز

وأقام الحجاج واليا على مكة والمدينة والحجاز واليمن واليمامة ثلاث سنين، ثم جمع له العراق بعد موت بشر بن مروان بالبصرة.

جابر بن عبد الله

مخ ۳۹۸