مروج الذهب او معدن جواهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
أرادني التي لا عز فيها ... فحالت دونه أيدي ربيعة ولما نزل بأهل المدينة ما وصفنا من القتل والنهب والرق والسبي وغير ذلك مما عنه أعرضنا من مسرف خرج عنها يريد مكة في جيوشه من أهل الشام، ليوقع بابن الزبير وأهل مكة، بأمر يزيد، وذلك في سنة أربع وستين.
فلما انتهى إلى الموضع المعروف بقديد مات مسرف لعنه الله! واستخلف على الجيش الحصين بن نمير، فسار الحصين حتى أتى مكة وأحاط بها، وعاذ ابن الزبير بالبيت الحرام، وكان قد سمى نفسه العائذ بالبيت، وشهر بهذا حتى ذكرته الشعراء في أشعارها، من ذلك ما قدمنا من قول سليمان بن قتة.
فإن تتبعوه عائذ البيت تصبحوا ... كعاد تعمت عن هداها فضلت
رمي الكعبة بالمجانيق
ونصب الحصين فيمن معه من أهل الشام المجانيق والعرادات على مكة والمسجد من الجبال والفجاج، وابن الزبير في المسجد، ومعه المختار بن أبي عبيد الثقفي. داخلا في جملته، منضافا إلى بيعته، منقاد ا إلى إمامته، على، شرائط شرطها عليه لا يخالف له رأيا، ولا يعصي له أمرا، فتواردت أحجار المجانيق والعرادات على البيت، ورمي مع الأحجار بالناروالنفط ومشاقات الكتان وغير ذلك من المحرقات، وانهدمت الكعبة، واحترقت البنية، ووقعت صاعقة فأحرقت من أصحاب المجانيق أحد عشر رجلا، وقيل : أكثر من ذلك وذلك يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، قبل وفاة يزيد بأحد عشر يوما، واشتد الأمر على أهل مكة وابن الزبير، واتصل الأذى بالأحجار والنار والسيف، ففي ذلك يقول أبو وجزة المدني:
آبن نمير بئس ما تولى ... قدأحرق المقام والمصلى
وليزيد وغيره أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة: من شرب الخمر، وقتل ابن بنت الرسول، - ولعن الوصي، وهدم البيت وإحراقه، وسفك الدماء، والفسق والفجور، وغير ذلك مما قد ورد فيه الوعيد باليأس من غفرانه، كورده فيمن جحد توحيده وخالف رسله، وقد أتينا على الغرر من ذلك فيما تقدم وسلف من كتبنا، والله ولي التوفيق.
ذكر أيام معاوية بن يزيد بن معاوية ومروان بن الحكم والمختار بن أبي عبيد وعبد الله بن الزبير ولمع من أخبارهم وسيرهم وبعض ما كان في أيامهم
موجز أخبار معاوية بن يزيد
قال المسعودي: وملك معاوية بن يزيد بن معاوية بعد أبيه، فكانت أيامه أربعين يوما إلى أن مات، وقيل: شهرين، وقيل غير ذلك، وكان يكنى بأبي يزيد، وكني حين ولي الخلافة بأبي ليلى، وكانت هنه الكنية للمستضعف من العرب، وفيه يقول الشاعر:
إني أرى فتنة هاجت مزاجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
ولما حضرته الوفاة اجتمعت إليه بنو أمية فقالوا له: اعهد إلى من رأيت من أهل بيتك، فقال: والله ما ذقت حلاوة خلافتكم فكيف أتقلد وزرها. وتتعجلون أنتم حلاوتها، وأتعجل مرارتها، اللهم إني بريء منها متخل عنها، اللهم إني لا أجد نفرا كأهل الشورى فأجعلها إليهم ينصبون لها من يرونه أهلا لها، فقالت له أمه: ليت إني خرقة حيضة ولم أسمع منك هذا الكلام، فقال لها: وليتني يا أماه خرقة حيض ولم أتقلد هذا الأمر، أتفوز بنو أمية بحلاوتها وأبوء بوزرها ومنعها أهلها؟ كلا! إني لبريء منها وقد تنوزع في سبب وفاته، فمنهم من رأى أنه سقي شربة ومنهم من رأى أنه مات حتف أنفه، ومنهم من رأى أنه طعن، وقبض وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، ودفن بدمشق، وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفبان، ليكون الأمر له من بعده، فلما كبر الثانية طعن فسقط ميتا قبل تمام الصلاة، فقدم عثمان بن عتبة بن أبي سفيان، فقالوا: نبايعك؟ قال: على أن لا أحارب ولا أباشر قتالا، فأبوا ذلك عليه، فصار إلى مكة، ودخل في جملة ابن الزبير.
وزال الأمر عن آل حرب فلم يكن فيهم من يرومها، ولا يتشوف نحوها ولايرتجى أحد منهم لها. وبايع أهل العراق عبد الله بن الزبير، فاستعمل على الكوفة عبد الله ابن مطيع العدوي.
المختار في الكوفة
مخ ۳۷۹